الصلاة الخاشعة    56
 

"معنى الركوع"
 

   الركوع لله في الصلاة يمثل حالة تركيع النفس وانقيادها وخضوعها لعظمة الله، فهو في حقيقته تجديد لطاعة الله وتعظيمه، واقرار بأنه سبحانه أعظم من أن تدرك كنهه العقول والأفكار وان كل ما فرضه على العباد فيه مصلحة لهم فالله غني عن العالمين، فلو تأمل الانسان في عظمة الله فيما خلقه الله من بدائع الخلق في هذا الكون العظيم لادرك عظمة الباري وقدرته التي لا تعجز عن شيء، ولذا يلزم المصلي ان يستشعر هذه المعاني عند الانحناء في الركوع، سيما عند ذكر عظمة الله في الركوع، وان يدرك بالمقابل قلة شأنه وهوانه وضعفه، ثم يقرّ ذلك بلسانه وقلبه عند تسبيحه للخالق وتعظيمه في الركوع، ثم يستوي بالقيام بعد الركوع راجياً المزيد من فضله بقوله (سَمِعَ اللهُ لِـمَن حَمِدَهُ)، أي أجـاب الله مَن شكره، وهو إشارة لقوله تعالى: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ وهو طلب للمزيد من فضله ورحمته.

عن الإمام الصادق ع قال:
[لا يركع عبـد الله ركوعاً على الحقيقة إِلَّا زيّنهُ الله بنور بهائه، وأظلّه في ظل كبريائه، وكساه كسوة أصفيائه، والركوع أوّل، والسجود ثاني، فمَن أتى بمعنى الأول صَلُح للثاني، {أي من ركع لله خاشعا وأدّى شروط الركوع والخضوع لله وما فيه من معنى وتعظيم، كان مؤهلا لأداء السجود والقرب من الله لينال حسن المثوبة من ربه}، وفي الركوع أدب، وفي السجود قُرب، ومَن لا يحسن الأدب لا يصلح للقرب {أي من كان ركوعه وقيامه على عجلة من دون خشوع وتوجه لله، فهو لا يصلح للقرب من الله عند سجوده، ولذا ينبغي الاهتمام بالركوع ليكتسب المصلي توفيق القرب من الله عند السجود}، فاركع ركوع خاضع لله عزّ وجلّ بقلبـه، متذلّل وَجِلٍ تـحت سلطانه، خافض له بجوارحه خفض خائف حزن على ما يفوته من فائدة الراكعين]. (أي ان يكون المصلي متوجها لله تعالى بجوارحه عند الركوع بالإضافة إلى خشوع قلبه خشية من ان يكون الركوع بقلب غافل فلا ينال ثوابه).

   ولذا ينبغي ان يتوجه المصلّي لمعنى الذكر في الركوع عندما يقول: (سبحان ربي العظيم وبحمده)، فسبحان مصدر بمعنى التنزيه، فحينما يسبح الانسان ربه فهو يقول نزهت ربي عمّا لا يليق به، وأثبتّ له ما يليق به، فليس كل صفة تنسب لله هي صفة محمودة إلّا أن تكون مطابقة لمعاني الذات الإلهية المقدسة، ولذا ورد بعد التسبيح عبارة

   (ربي العظيم)، أي العظيم في صفاته الذي يقصر عنه كل شيء سواه، أو الذي تجتمع له صفات الكمال وتنتفي عنه صفات النقص، ثم أضيف له (وبحمده) أي سبحت الله حامداً، أو سبحته بحوله وقوته لا بحولي وقوّتي على توفيقه لعبادته، فيكون المعنى الكامل للتسبيح في الركوع هو: أُنزّه ربّي العظيم عمّا لا يليق بعزّ جلاله وأنا متلبّس بحمده على ما وفّقني له من تنزيهه وعبادته، فهذه العبارة تضم معنا عميقا معنى الشكر لله على توفيقه لهذا الفضل وكأنّ العبد الراكع لـمّا أسند التسبيح والتعظيم لله إلى نفسه بقوله: (ربي العظيم)، خاف أن يكون في هذا الإسناد نوع تبجّحٍ وغرور بأنّه هو مصدر هذه الطاعة فتدارك ذلك بقوله: وأنا متلبس بحمده على أن صيّرني أهلاً لتسبيحه وقابلاً لعبادته، فكل هداية هي من الله وكل توفيق هو منه وحده فالله سبحانه ليس بحاجة الى تعظيم خلقه او الى اي عمل منهم وما الركوع والسجود الا لمصلحتهم في حفظ سلامة ابدانهم وارواحهم.

وللحديث تتمة

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com