الصلاة الخاشعة   51
 

"في كمال التوحيد"
 

في تتمة الخطبة السابقة لأمير المؤمنين في نهج البلاغة قال:

[ يُحِبُّ وَيَرضىٰ مِنْ غَيْرِ رِقَّةٍ (أي ان حب الله ليس نابع من عاطفة أو إحساس كإحساس كالمخلوقين)،

وَيُبْغِضُ وَيَغْضب مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ (أي لا يصيبه الانفعال كما يصيب المخلوقين سواء في الحب أو في الغضب الذي تهيج فيه القوة الغضبية وما تولده من ثورة داخلية في النفس، فإن غضب الله سبحانه على العصاة إرادة عقوبتهم، ورضاه عن المطيعين هو إرادة ثوابهم الذي يستحقّونه على طاعتهم)،

ولعل من المفيد التوسعة في شرح هذا المفهوم الذي يرد كثيرا في احاديث الناس عندما يتحدثون عن حب الله للأشياء او الاعمال فإن الله سبحانه لا ينطبق عليه ما ينطبق على خلقه ومن ذلك الحب والبغض فان محبة الله هي صفة من صفات فعله، فهي إحسان مخصوص من الله يليق بشأنه في مكافاة العبد المطيع له، كأن يوفقه لطاعته ويهديه لدينه الذي ارتضاه أو يكشف الحجاب عن قلبه وينعم عليه بالقرب منه، وعلامة حب الله لعبده هي توفيقه للتجافي عن دار الغرور والترقّي إلى عالم النور والانس بالله والوحشة ممّن سواه وصيرورة جميع همومه الدنيوية الى هم واحد هو نيل رضا الله والقرب منه، وبشكل عام فان معنى حب الله للعبد هو ان ينعم عليه بما يناسب فهمه وعقله وينقله من حال إلى حال، اما محبّة العبد لربه فهي حالة يجدها في قلبه يحصل منها التعظيم لله وايثار رضاه والإستيناس بذكره.

  فعن الامام الصادق ع عندما سأله احد اصحابه عن معنى الغضب والرضا من الله قال:

[نعم لكن ليس ذلك على ما يوجد من المخلوقين، وذلك إنّ الرضا [عند الإنسان] حالة تدخل عليه فتنقله من حال إلى حال، لأنّ المخلوق أجوف معتمل مركب للأشياء فيه [تدخل]، وخالقنا لا يدخل للأشياء فيه لأنّه واحد واحدي الذات واحدي المعنى، فرضاه ثوابه {اي المجازات بفعل منه}، وسخطه عقابه، من غير شيء يتداخله فيهيّجه وينقله من حال إلى حال، لأنّ ذلك من صفة المخلوقين العاجزين المحتاجين].

   ومثل هذا الوصف من الحب والبغض لله سبحانه (والذي يفرق عن حب الانسان وبغضه) ينبغي ان يكون وصف الرضا والسخط لله سبحانه، حيث يجب تأويلها وصرفها إلى معنى يصحّ في حقّه تبارك وتعالى، لأنّ نسبة معانيها المعروفة للإنسان لا يصح وصف الله بها،

   فالرّضا للإنسان يمثل حالة للنفس توجب انفتاحها وانبساطها لإيصال النفع إلى الغير أو الانقياد له، والغضب والسخط تمثل حالة أخرى توجب تغيّر النفس وانقباضها وتحرّكها إلى ايقاع السوء بالمقابل أو الاعراض عنه وكل هذه الامور لا تصح على الله سبحانه لان الخالق يفرق عن المخلوق اذ هو ليس كمثله شيء وهو على كل شيء قدير وكل شيء يجري بإرادته وأمره وتدبيره.

وللحديث تتمة


محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com