الصلاة الخاشعة    47
 

معنى ﴿الأحَد﴾
 

   تقدم الحديث عن استحباب قراءة سورة الاخلاص في الصلاة رغم انها ليست من اجزاء الصلاة وتقدم الحديث عن معنى كلمة الله الذي يمثل اسم الجلالة للذات الجامعة لكل الاوصاف الكمالية والخالية من كل عيب او نقص، اما وصفه بالأحد فهو لبيان كونه انه الفرد المتفرّد الذي لا نظير له، أي هو الواحد المباين لكل ما سواه، فهو لا ينبعث من شيء، ولا يتّحد بشيء، ولا يشبهه شيء، وليس كمثله شيء، حيث تطلق صفة «أحد» على الذات التي لا تقبل الكثرة لا في الخارج ولا في الوجود الذهني، ولذلك لا تقبل العدّ ولا تدخل في زمرة الأعداد

   فمعنى قوله تعالى: «الله أحد» أي المعبود الذي يسأله الخلق وهم عاجزون عن الإحاطة بإدراك كنه ذاته، لأنّه متعال عن صفات خلقه، فالخالق غير المخلوق، فان الخلق البشري محدد بالحدود والقوانين الإلهية التي وضعها الله لهم لا يستطيعون تجاوزها، فالإنسان محدود الامكانية والقدرة في كل شيء، وهو عاجز عن الاحاطة بعظيم خلق الله او التدخل في منعها او تغير قوانين الله وسننه فيها فكيف يصل الى ادراك حقيقة الذات الالهية المقدسة؟

   وقد أشكل البعض بأنّ الواحد من العدد وهذا يقتضـي وجود ثان معه الا انه قد رُدّ عليه: إن بناء العدد يكون من الواحد، ولكن الواحد ليس من العدد، لأنّ العدد لا يقع على الواحد بل يقع على الاثنين.

   وفي كتاب التوحيد للصدوق ورد:

«أنّ أعرابياً قام يوم حرب الجمل إلى أمير المؤمنين ع فقال: يا أمير المؤمنين، أتقول: إن الله واحد؟
فحمل النّاس عليه وقالوا: يا أعرابي أما ترى ما فيه أمير المؤمنين من تقسّم القلب
(أي تشتت الخاطر)؟ فقال أمير المؤمنين ع : دعوه فإنّ الذي يريده الأعرابي هو الذي نريده من القوم. ثمّ قال:

يا أعرابي، إنّ القول في أنّ الله واحد على أربعة أقسام، فوجهان منها لا يجوزان على الله عزّ وجلّ، ووجهان يثبتان فيه.

فأمّا اللّذان لا يجوزان عليه:
فقول القائل واحد يقصد به باب الأعداد، فهذا ما لا يجوز، لأنّ ما لا ثاني له لا يدخل في باب الأعداد، أمّا ترى أنّه كفر من قال إنّه ثالث ثلاثة؟
(أي إن الله لا ينطبق عليه العدد فيكون هو الأوّل ويكون من بعده ثان وثالث)و[كذلك] قول القائل: هو واحد من النّاس، يريد به النوع من الجنس (كمن يقول أنّه واحد من جنس الآلهة وهناك غيره من الالهة)، فهذا ما لا يجوز قوله على الله لأنّه تشبيه، وجلّ ربّنا وتعالى عن ذلك.

وأمّا الوجهان اللذان يثبتان فيه:
فقول القائل: هو واحد، ليس له في الأشياء شبه، كذلك ربّنا.
وقول القائل: إنّه عزّ وجلّ أحديّ المعنى، يعني به أنّه لا ينقسم في وجود ولا عقل ولا وَهمٍ، كذلك ربّنا عزّ وجلّ»

   اي ان معنى «أحد» يتضمّن الإشارة إلى وحدة الذات الالهية المقدسة مقابل الأجزاء التركيبية، بمعنى ان الذات الالهية لا يمكن ان تكون مركبة من اجزاء، ويمكن الاستدلال على ذلك بأمور :


الامر الأول : إن المركّب مفتقر في وجوده إلى كل جزء من أجزائه، فمجموع الاجزاء هي تشكل المركب، وهذا يعني انه لو تخلف جزء واحد فقط عن الانضمام إلى باقي الأجزاء لما وجد ذات المركّب السابق، فان تخلّف هذا الجزء يؤدي الى تغير بعض الصفات الذاتية للمركب، فان كانت الذات الالهية مركبة من اجزاء كالقوة والقدرة والعلم والسمع والبصر والحكمة وامثال هذه الصفات الالهية، فان فقدان الخالق لبعض منها يؤدي الى حاجته لهذا الشيء وهو ما ينزّه عنه واجب الوجود (اي الذي تنتهي اليه الاسباب)، لأنه هو الغني المطلق بذاته من دون الاحتياج الى شيء يكمل نقصه.

الامر الثاني : إن الذات الإلهية، لو كانت مركبة من أجزاء لاحتاجت في تركّبها والتأليف بينها إلى مُركِّب ومُؤلّف، وبالتالي لاحتاجت الى مُوجد، وهو خلاف الفرض من ان اللّه واجب الوجود لذاته وبذاته ولا يحتاج الى سواه


الامر الثالث : إن الذات الإلهية لو كانت مركبة من أجزاء، فان هذه الاجزاء اما ان تكون متباينة او متلازمة مع بعضها، فان كانت متباينة فان الذات الإلهية ستكون مركبة من المتباينات، وهو امر مستحيل، اذ لا يمكن أن نفرض أي تلازم وارتباط بين هذه الأجزاء المتباينة مع بعضها فكل منها يريد ان يفرض وجوده على الاخر،
اما اذا كانت هذه الاجزاء متلازمة مع بعضها غير متنافرة، فان هذا التلازم إما أن يكون ناشئاً من كون بعضها معلولاً للبعض الآخر، أو كلها معلولة لعلة خارجية، وكلا الأمرين ينافي الفرض من كون الذات الالهية واجبة الوجود بذاتها. فيتضح من ذلك أن الذات الإلهية، يستحيل فيها التركيب بل هي واحدة وبسيطة من جميع الجهات فهو الواحد الاحد.

وللحديث تتمة

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com