الصلاة الخاشعة    44
 

معنى  ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾.
 

  في تتمة سورة الفاتحة بعد ان يدعو المصلي ربه بالهداية الى الصراط المستقيم الذي خصه الله بكونه صراط الذين انعم الله عليهم من الانبياء والحجج المعصومين، فان الله اضاف عليه توضيحا وتمييزا عن غيره من السبل وهو البعد عن طريق المغضوب عليهم من الله، وطريق الضالين عن هداه وصراطه، وهم الذين سلكوا طريقا مخالفا لكتبه وحججه واتّبعوا اغواء الشيطان وكيده ومكره وسبله التي تصد عن طاعة الله وصراطه المستقيم.

   فكل من سلك سبيلا غير صراط الله الذي اوضحه في كتابه وما دعا اليه حججه واوليائه من ابواب العلم والحكمة والهداية الربانية، فهو من الذين ضلّوا الطريق وضاعوا عن اهدافه ومقاصده وغلب عليهم الشيطان فيما شدهم اليه من الهوى والشهوات والرغبات الدنيوية الضيقة فصدهم عن الاعداد للحياة الاخرة وضلّوا في متاهات الدنيا وزينتها ولهوها، فزينة الحياة الدنيا لم تكن الا لاختبار الناس في الدنيا كما في قوله تعالى:

(زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ).
(الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا).

   فمن يغلب عليه الهوى والشهوات وحب الدنيا فانه يسير نحو طرق الضلالة والبعد عن الله وهو ما اوضحه الله في في اخر سورة الفاتحة من التمييز والتشخيص لمن يسير في غير صراط الله.

(أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ).
(إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ، أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ).
(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ، أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ).

   حتى ينتهي بهم الحال الى الضياع بين الأفكار والمذاهب الفلسفية المنحرفة ، التي تبرر لهم قتل من يخالفهم ولو كان في ذلك هلاك الابرياء وخاصة عند صبغ هذه الاعمال بصبغة دينية تحل لهم سفك الدماء وانتهاك الاعراض وألاموال كما هو الحال في المذاهب الدينية المنحرفة التي تفسّر الدين كما تريد من دون الرجوع الى حجج الله الذين اقامهم الله علما لعباده ومنارا في بلاده، فسقطوا في الضلال المبين وابتعدوا عن أمره وشرعه،
عن الصادق عليه السلام قال :

[ فأما الصراط في الدنيا فهو الإمام المفترض الطاعة، من عرفه في الدنيا واقتدى بهداه مر على الصراط الذي هو جسر جهنم في الآخرة، ومن لم يعرفه في الدنيا، زلت قدمه في الآخرة، فتردّى في نار جهنم]

   فهذه الحقائق التي تضمنتها سورة الفاتحة من وجود ربٍّ للعالميـن، رحـمن رحيم، ويوم للدين قادم لا ريب فيه، وطلب الهدى والصـراط المستقيم، هي كل فلسفة العيش في الدنيا التي يحتاجها الإنسان للعبور منها إلى الآخرة بأمن وسلام، وما سواها من المعارف والعلوم الدنيوية، والمطامح والمصالح الذاتية، والعلاقات والروابط الأسرية والاجتماعية، وأمثال ذلك من شؤون الدنيا، فان الإنسان سيتركها جميعا خلفه عند الرحيل عن الدنيا، مهما كانت درجة أهميتها وشدة اشتغاله بها، ليمضـي إلى ربّه وحيدا كما شاء الله وأراد وقدّر.

   ولذا فإن تأكيد هذه المفاهيم في حياة المؤمن في صلاتـه خمس مرات على الأقـل في كل يـوم، إنّما هو تذكّير وتنبيـه لحقيقـة الدنيا ومـفهوم الحياة فيها وما ينبغي للمؤمن أن يهتمّ به من الأُمور والقضايا التي تنفعه في آخرته وتصحبه إلى دار الخلود، وليس تلك التي تزول بزوال الدنيا وعمره القصير فيها، فإن الدنيا ليست سوى معبر إلى دار القرار والخلود.

وللحديث تتمة

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com