الصلاة الخاشعة   43
 

معنى ﴿اهْدِنَا الصّـِرَاطَ المُسْتَقِيمَ﴾.
 

   الهداية في حقيقتها هي لطف من الله، ومعرفة الطريق وتشخيصه هو هدى من الله، والحول والقدرة على العمل لبلوغه هو فضل ورحمة من الله، فلولا هدى الله ونعمه على عبده لما عرف الإنسان الطريق الى الله، فقد يضل الانسان في سعيه وعمله وهو يحسب انه يسير على الهدى والصواب كما قال الله في كتابه:
﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴾
﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ ﴾.

  فالهداية إلى الصراط المستقيم هي من افضل نعم الله على عبده، فمن احبه الله يسـّر له الوصول إلى الصـراط المستقيم وابعده عن الانشغال في القشور والاعمال القليلة الأجر والمثوبة، وهو ما يستلزم معرفة المؤمن للصراط المستقيم ثم معرفة الطريق اليه.

   ان المراد بالصراط المستقيم هو الصراط الذي لا اعوجاج فيه وهو صراط واحد لا صراط غيره وهو والذي يحقق الامتثال لدين الله وارادته، وقد نسبه الله الى نفسه فقال:
﴿وَهَٰذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ﴾
﴿وَاللهُ يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾
﴿وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾
﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَىٰ صِرَاطِ الْحَمِيدِ ﴾

   الا ان هذا الصراط المستقيم لا يمكن ان يدرك من دون الرجوع الى حجج الله والكتاب الذي انزله الله معهم ليكون حجة على البشر في هداية الله وفضله عليهم كما قال في كتابه؛
﴿كانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً، فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ، فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ، وَاللهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾

   فالصراط المستقيم يعني التمسك الواضح بمنهج الانبياء والمرسلين الذين اصطفاهم الله وعصمهم وسدّدهم وجعلهم حجة له لهداية الناس الى دينه، والذين جعلهم من اعظم نعمه وفضله على العباد، اذ ان العصمة التي حباهم بها الله والكتاب الذي انزله معهم كفيلة بأن تقود العباد الى صراط الله المستقيم عند الالتزام بكلا الثقلين كما بين الله ذلك في كتابه بقوله:
﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾
﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾،
﴿وَإِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ ﴾

  ولذا ينبغي للمصلي حين يبلغ هذه الاية من سورة الفاتحة من قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصّـِرَاطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ان يتوجه الى الله بكل قلبه ويخاطبه خاشعا راجيا متضـرّعا في ان يهديه إلى الصـراط المستقيم الذي أمر عباده ان يلتزموا به ولا يتبعوا غيره بقوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾.

   فالالتزام بتعاليم حجج الله والاعتصام بحبلهم هو الموصل إلى أقرب الطرق إلى الله، ولذا أتبع الله الآية بالهداية للصراط المستقيم بخصوصية مميزة هي كونه صراط الذين انعم الله عليهم وهم المعصومين من الانبياء والرسل والاولياء، وهو ما يتطلب تشخيص المصداق اليوم والذي هو رسول الله سيد خلق الله والائمة من بعده للاهتداء بهديهم والتمسك بحبلهم
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ بِاللهِ وَاعْتَصَمُواْ بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا).

وللحديث تتمة

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com