الصلاة الخاشعة    42
 

معنى ﴿إِيَّاكَ نَعبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾


عن رسول الله (ص) قال:
[قال الله تعالى قولوا: إياك نستعين، على طاعتك وعبادتك، وعلى رفع شرور أعدائك، ورد مكائدهم، والمُقَام على ما أمرت به].

   حين يصل المصلي عند تلاوته لسورة الفاتحة الى مخاطبة الله بالقول: (اياك نعبد)، ينبغي ان يعلم جيدا المعاني المهمة التي تتضمنها هذه العبارة، فهي تعني التسليم الكامل بالربوبية لله عز وجل، والتي تعني بدورها خلع الانداد والارباب وكل اله يعبد من دون الله، وهو ما يعني الرفض لكل قانون وسلطان يخرج عن سلطان الله وحكمه ونظامه، فمن يكون له الامر والطاعة هو الذي يخلق ويرزق ويدبر الامور كما في قوله تعالى:
(أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) .

   كما تعني هذه العبارة ايضا الاحتياج المطلق الى الله سبحانه، فمن دونه لا يستطيع الانسان العيش في الدنيا، فهو الخالق والرازق والمدبّر والمقدر ومسبب الأسباب، وكل شيء خاضع لإرادته وقدرته او كما قال الله تعالى:
(وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ)، فلا رب غيره ولا الـه سواه،

  فإذا غاب هذا المعنى عند مخاطبة المصلي لله تعالى بالقول: ﴿إِيَّاكَ نَعبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ بسبب انشغال فكّره في موضوع آخر، فانه يكون في هذه الحال قـد أضاع حال العبودية من التسليم المطلق لله والانقياد لأمره وارادته، فكيف يقرّ بعبادته إذا كان فكره مشغولاً عمّا يتلفظ به لسانه بغيره؟ وأي عبادة هذه التي يقولها بلسانه ويغفل عنها قلبه؟ وأي معان عظيمة تحتويها لفظة العبادة وهو غافل عنها؟

   فالمصلّي لله لا يعبد حاكما غير الله ولا يخضع لشرع غير شرع الله، ولا يعبد الدنيا وشهواتها، ولا زخرفها وزبرجها، ولا أعرافها المنحرفة وضلالاتها، ولا يستهويه مالها وثروتها، ولا شهرتها وعناوينها، ولا تحصيل المصالح الضيقة فيها، بل هو عبد لله الواحد القهار، لا يخضع إِلَّا له ولا يبتغي الا رضاه.

   عن الامام الصادق ع في معنى قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللهِ﴾ قال:
[أما والله ما دعوهم إلى عبادة أنفسهم، ولو دعوهم ما اجابوهم، ولكن أحلّوا لهم حراما، وحرموا عليهم حلالا فعبدوهم من حيث لا يشعرون]

   وهكذا أيضاً ينبغي ان يكون التعظيم والتسليم والحبّ لله في مخاطبته بالقول ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وهو ما يعني ان تكون الحياة كلها لله في جميع شؤنها ونواحيها قائمة على الطاعة لله تعالى او كما قال في كتابه في وصف حال اوليائه: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).

   فلا حول ولا قّوة للإنسان، ولا قدرة ولا إمكانية على فعل اي شيء من دون لطف الله وفضله، ولا غنى عن عونه في جميع الأمور حتى في عبادته، بل ان الحاجة لتسديده وتوفيقه في العبادة هي اكثر من غيرها، لذا ينبغي ان يدعوه المصلي بحضور قلب وهو يطلب منه الرشد والهداية لئلا تكون دعوته استهانة أو جهلا بمنزلة الله وعظمته،

   وهذا المعنى المتصل بدوام الطاعة في كل الامور هو ما شار اليه امير المؤمنين في دعائه المعروف بدعاء كميل حيث قال فيه: [يا رب يا رب اسألك بحقك وقدسك واعظم صفاتك ان تجعل اوقاتي من الليل والنهار بذكرك معمورة، وبخدمتك موصولة، واعمالي عندك مقبولة، حتى تكون اعمالي واورادي كلها وردا واحدا، وحالي في خدمتك سرمدا] اي تكون جميع الاوقات سواء التي تكون في العبادة او الدراسة او العمل او الرياضة او الراحة او قضاء حوائج الحياة كلها متصلة بطاعة الله وكأنها وردا واحدا والورد يعرّف عادة بانه النصيب من الذكر او الدعاء بمعنى ان تكون كل الاعمال بذات الهدف والقصد موصولة بطاعة الله وبصورة مستمرة، فالعبادة في حقيقتها اشمل من ان تكون محصورة بأداء فرض الصلاة وانما تذكّر السورة الانسان في كل صلاة بهذه الحقيقة لكي يعيشها في اوقات يومه وحياته.

وللحديث تتمة


محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com