الصلاة الخاشعة    41
 

معنى ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾
 

   يوم الدين أو يوم القيامة أو اليوم الآخر هو نهاية العالم والذي لا يكون بعده يوم اخر في الدنيا، لأنه لن يكون وجود للدنيا بعد ذلك كما اوضح الله كتابه في الآيات الكثيرة التي تتحدث عن احداث يوم القيامة، وهي جديرة بالفكر والتأمل والوعي لمضامينها لمعرفة هول هذا اليوم وما فيه احداث خطيرة تنتهي فيه الحياة المؤقتة للإنسان في الدنيا لتبدأ بعدها حياة الخلود، اما في جنة الفردوس والنعيم، او في العذاب بالنار والجحيم، فيوم الدين أمر محتّم وهو يوم الحساب والرجوع إلى الله، وهو يوم صعب مستصعب، حيث تعرض فيه كل صغيرة وكبيرة من عمل الانسان في محكمة علنية وبمشهد من الملائكة المقرّبين، والرسل والأنبياء سيّما سيدهم وخاتمهم رسول الله (ص) واهل بيته المعصومين، وقد حذر الله منه في آيات عدة فقال:

(وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ)
(وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ (اي فداء)، وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ).

   فالمخاوف في هذا اليوم عظيمة حيث تنكشف الحقائق التي ذكرها الله في كتابه الكريم ومنها:
(إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ، وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ، وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ، وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ، عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ).
(إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ، وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ، وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ، وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ، وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ، وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ ، وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ، وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ، بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ، وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ).
( فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ، وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً،
فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ، وَانشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ، وَالْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ، يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ).

   ولذا يلزم المؤمن الاستعداد والتهيؤ لـمثل هذا اليوم العظيم وما فيه من أهوال ومـخاوف وفضائح قد يخجل الانسان من أن يطّلع عليها أهله ومعارفه فكيف به أمام النبي والأئمة والناس أجمعين؟ اضافة الى ما بعده من نتيجة نهائية يتقرر فيها مصيره الابدي في الاخرة.

عن امير المؤمنين ع قال:
[إذا كان يوم القيامة بعث الله تبارك وتعالى الناس من حفرهم جُردا (أي ليس عليهم لباس)،

مُردا (أي ليس لهم لحىٰ او شعر)،

في صعيد واحد (اي على ارض واحدة وباتجاه واحد)،

يسوقهم النور وتجمعهم الظلمة (لشدة الظلام في ارض المحشر)

حتى يقفوا على عقبة المحشـر، فيركب بعضهم بعضا ويزدحمون عليها فيمنعون من المضـي، فتشتدّ أنفاسهم، ويكثر عَرقهم وتضيق بهم امورهم، ويشتد ضجيجهم، وترتفع أصواتهم، وهو أول هول من أهوال يوم القيامة،

فيشـرف الجبار تبارك وتعالى عليهم من فوق عرشه في ظلال من الملائكة فيأمر ملكا من الملائكة فينادي فيهم: يا معشـر الخلائق أنصتوا واستمعوا منادي الجبار، فيسمع آخرهم كما يسمع أولهم، فتنكسـر أصواتهم عند ذلك، وتخشع أبصارهم، وتضطرب فرائصهم، وتفزع قلوبهم، ويرفعون رؤوسهم إلى ناحية الصوت مهطعين إلى الداعي، فعند ذلك يقول الكافر: هذا يوم عـسر،

فيشرف الله عزّ وجلّ ذكره عليهم فيقول: أنا الله لا إله إلا أنا الحكم العدل الذي لا يجور، اليوم أحـكم بينكم بعدلـي وقسطي، لا يُظلَم اليوم عندي أحد، اليـوم آخذ للضعيـف من القوي بحقه، ولصـاحب المظلمة بالمظلمة بالقصاص من الحسنات والسيئات، واثيب على الـهبات، ولا يجوز هذه العقبة اليوم عندي ظالم ولأحد عنـده مظلمة، إلا مظلمة يهبـها لصاحبهـا واثيبه عليها وآخذ له بها عند الحساب،

فتلازموا أيها الخلائق واطلبوا مظالمكم عند من ظلمكـم بـها في الدنيا، وأنا شاهد لكم بها عليهم، وكفى بي شهيدا، قال: فيتعارفون ويتلازمون فلا يبقى أحد له عند أحد مظلمة أو حق إلا لزمه بها].

   ولذا يتكرر ذكر يوم الدين في كل صلاة مرتين على الاقل في سورة الفاتحة لتذكّر الإنسان بحقيقة هذا اليوم العصيب فلا يغفل عنه، ولا ينسى حقيقة الموت وما بعده من البعث والنشور وضرورة الاستعداد لذلك بعد اقامة الحجة عليه في كل صلاة.

وللحديث تتمة

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com