الصلاة الخاشعة    40
 

تمام الرحمة الالهية
 

عن الامام الحسين في تتمة دعائه في عرفة والذي يذكر فيه بعض نعم الله قال:

[حَتّى إذَا اكتَمَلَتْ فِطرَتِي وَاعتَدَلَتْ سَرِيرَتِي (والفطرة السليمة هي انفتاح القلب على توحيد الله وانشـراح الصدر للحق والإنصاف، وهي من نعم الله على العباد حيث تكون فطرة الانسان في اول خلقه سليمة لا تعرف الاذى والطبائع السيئة والتي يكتسبها بعد ذلك من الأسرة والمجتمع، ولذا يقبّل الانسان ذو الفطرة السليمة كل المثل والقيم بارتياح كالأرض الصالحة للزراعة التي تقبل كل ما يزرع فيها من نبات)،

أَوجَبتَ عَلَيَّ حُجَتَّكَ ، بِأَنْ أَلهَمتَنِي مَعرِفَـتَكَ، (وهو فضل من الله على الانسان في ادراك عقله لما يلهمه الله من المعارف التي تدل على وجوده سبحانه من خلق السماوات والارض والانسان والحيوان والنبات والسنن الالهية كنزول المطر واخضـرار الارض وشروق الشمس وبزوغ القمر والنجوم وأمثال ذلك، فحين سئل احد البدو الموحدين لله بفطرته كيف عرفت الله؟ فقال: البعرة تدل على البعير، والأثر على المسير، فكيف لا تدل هذه المخلوقات على اللطيف الخبير؟)،

وَرَوَّعتَنِي بِعَجَائِبِ حِكمَتِكَ، ( روعتني: أي ادهشتني، بما يحدث من امور الطبيعة وما فيها من الخلق والتدبير)،

وَأَيقَظتَنِي لِما ذَرَأتَ (اي خلقت ونشرت)

في سَمائِكَ وَأَرضِـكَ مِنْ بَدَائِعِ خَلقِكَ (فمن يتابع اخبار العلوم عن السماء وما يكتشف فيها من ملايين المجرات والاسرار العجيبة التي تذهل العقل يشكر الله على ما عرفه من قدرته وعظمته)،

وَنَبَّهتَنِي لِشُكرِكَ وَذِكرِكَ، وَوَاجِـبِ طَاعَتِكَ وَعِبَادَتِكَ، وَفَهَّمتَنِـي مَا جَاءَتْ بِـهِ رُسُلُكَ، وَيَسَّـرتَ لِي تَقَبُّلَ مَرضَات، وَمَنَنتَ عَلَيَّ فـي جَـميعِ ذلِكَ بِعَونِكَ وَلُطفِكَ.

ثُمَّ إِذ خَلَقتَنِي مِنْ حُرِّ الثَّرَى (اي التراب الندي الخالص)،

لَـمْ تَرضَ لِـي يَا إِلٰهِي بِنِعمَةٍ دُونَ اُخرى (فنعم الله متوالية على الانسان من الولادة حتى الممات)،

وَرَزَقتَنِي مِنْ أَنوَاعِ الـمَعَـاشِ، وَصُنُوفِ الرِّيَاشِ (اي النعم من الاثاث واللباس فنعم الله)،

بِمَنِّكَ العَظِيمِ عَلَيَّ، وَإِحسَانِـكَ القَدِيمِ إِلَـيَّ، حَـتّى إِذا أَتـمَـمتَ عَلَـيَّ جَمِيعَ الـنِّعَـمِ، وَصَرَفتَ عَنّي كُلَّ النِّقَمِ، لَمْ يَمنَعكَ جَهلِـي وَجُـرأَتِـي عَلَيـكَ أَنْ دَلَلتَنِي عَلَـى ما يُقَرِّبُنِي إِلَيكَ، وَوفَّقتَنِي لِـما يُزلِفُنِي لَدَيكَ، (يزلفني: يقربني فمن رحمة الله رعايته المستمرة لعبده رغم عصيانه وذنوبه فلا يعجّل له العقوبة بل ويقبل توبته الماحية لسيئاته، ويهديه سبل الصلاح والخير والرشاد)،

فَإِنْ دَعـوتُـكَ أَجَبتَنِي، وَإِنْ سَـأَلتُكَ أَعـطَيتَنِـي، وَإِنْ أَطَـعتُـكَ شَـكَـرتَنِي، وَإِنْ شَكَرتُكَ زِدتَـنِـي، كُلُّ ذلِكَ إِكمَالاً لأَنعُمِكَ عَلَيَّ، وَإِحسَانِكَ إِلَيَّ ،(فمن عطايا الله والطافه بعبده ان يجيب دعائه ويعتبره عملا صالحا يثيبه عليه العبد لطاعته له، وكأن الداعي له فضل على ربه، بل يتفضل عليه الرب الكريم بمزيد من الهداية واللطف الالهي ثم يمنحه التوفيق للعمل بهذا الهدى كهدية ربانية لدعائه ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَستَجِبْ لَكُمْ﴾، ثم الزيادة عند كل شكر وذكر لله على نعمه بمزيد من الاجر والمثوبة الدنيوية والاخروية ﴿لَئِن شَكَرتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾، فماذا يريد الإنسان دلالا أعظم من هذا الدلال؟ وهل ينتبه لفضل ربه ولطفه وكرمه الدائم المتجدد عليه؟)،

فَسُبحانَكَ سُبحانَكَ، مِنْ مُبدِئٍ مُعِيدٍ، حَمِيدٍ مَجِيدٍ، تَقَدَّسَتْ أَسماؤُكَ، وَعَظُمَتْ آلاؤُكَ (اي نعمك)،

فَأَيُّ نِعَمِكَ يَا إِلٰهِي أُحصِـي عَدَداً وَذِكراً ؟ أَمْ أَيُّ عَطَاياكَ أَقُومُ بِها شُكراً ؟ وَهِيَ يَا رَبِّ أَكثرُ مِنْ أَنْ يُحصِيهَا العَـادُّونَ، أَو يَبلُـغَ عِلمـاً بِهَا الحَافِظُونَ؟.

ثُـمَّ مَـا دَرَأتَ وَصَرَفتَ عَنِّي اللَّهُمَّ مِنَ الضُـرِّ وَالضَّـرَّاءِ، أَكثَرَ مِمّا ظَهَرَ لِي مِنَ العَافِيَةِ وَالسَّـرّاءِ،( درأت: دفعت، فكم بلاء وشدة دفعها الله بفضله ولطفه عن الإنسان منذ صغره وطفولته إلى وقته الحاضر ولو شاء لما سلم الإنسان منها ولتركت عليه آثارها او انهت حياته ووجوده الدنيوي على الارض).

تلك بعض ملامح الرحمة الالهية التي تناولها الامام الحسين ع في دعائه في يوم عرفة والذي تعرف الانسان ببعض نعم ربه.

وللحديث تتمة

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com