الصلاة الخاشعة   39
 

سعة الرحمة الالهية
 

عن الامام الحسين في دعاء عرفة الذي يستعرض في مقدمته بعض نعم الله قال:

[اللَّهُمَّ إِنِّي أَرغَبُ إِلَيكَ، وَأَشهَدُ بِالرُّبُوبِيَّةِ لَكَ، مُقِـرّاً بِأَنَّكَ رَبِّي، وَأَنَّ إِلَيكَ مَرَدِّي  (اي رجوعي للحساب والجزاء في يوم القيامة)،

إِبتَدَأتَنِي بِنِعمَتِكَ قَبلَ أَنْ أَكُونَ شَيئاً مَذكُورا (فالله سبحانه انعم على الانسان بالخلق من العدم لأجل ان يوصله الى الجنة بطاعته)،

وَخَلَقتَنِي مِنَ التُّرابِ، ثُمَّ أَسكَنتَنِي الأَصلَابَ ( الصلب عظم في الظهر والمراد مقر النطفة في الرجل)،

آمِناً لِرَيبِ المَنُونِ وَاختِلَافِ الدُّهُورِ والسِّنِينَ، ( اي آمنا من البلاء والهلاك عبر مرور الازمنة لحين حلول وقت المشيئة الالهية بالمجيء الى الدنيا في الزمان والمكان الذي اختاره الله لعبده)،

 فَلَمْ أَزَلْ ظَاعِناً (اي سائراً متنقلاً في الارحام من شخص لأخر حتى حدوث زمن الولادة)،

مِنْ صُلبٍ إِلى رَحِمٍ، في تَقادُمٍ مِنَ الأَيّامِ المَاضِيَةِ، وَالقُرُونِ الخَالِيَةِ، لَمْ تُخرِجنِي لِرَأفَتِكَ بِـي، وَلُطـفِـكَ لي، وَإِحسَانِكَ إِلَيَّ، في دَولَةِ أَئِمَّةِ الكُفرِ الَّذِينَ نَقَضُوا عَهدَكَ، وَكَذَّبُوا رُسُلَكَ، لكِنَّكَ أَخرَجتَنِي رَأفَةً مِنكَ، وَتَحَنُّناً عَلَيَّ للَّذِي سَبَقَ لي مِنَ الهُدَى، الَّذِي لَهُ يَسَّـرتَنِي، وَفيهِ أَنشَأتَنِي، ( فلو وُلد الإنسان في عصور الجاهلية والكفر القديمة أو الحديثة فانّه سيكون كباقي أفراد الأسرة في عقائدهم من الكفر والشرك والانحطاط الأخلاقي، ولكن رحمة الله سبقت لعبده فكانت ولادته في بلد إسلامي أو من أبوين مسلمين او ممن فتح الله قلبه لقبول الاسلام والهدى والصلاح)،

وَمِنْ قَبلِ ذَلِكَ رَؤُفتَ بي بِجَمِيلِ صُنعِكَ وَسَوَابِغِ نِعَمِكَ، (اي لطيف خلقك عبر ونعمك الواسعة عبر مراحل تكوين الإنسان وخروجه إلى الدنيا في أمن وسلام حيث كان يأكل ويشـرب من بطن امه وهو لا يعلم شيئا من تكامل جوارحه واجزاء بدنه ونموه المنتظم منذ ساعة خلقه في الرحم حتى ساعة ولادته، وما بعدها كذلك كما سياتي توضيحه في الدعاء)،

فابتَدَعتَ خَلقي مِنْ مَنِيٍّ يُمنىٰ، وَأَسكَنتَنِي فـي ظُلُماتٍ ثَـلَاثٍ، بَيـنَ لَـحمٍ وَدَمٍ وَجِلدٍ، لَـمْ تُشهِدنِي خَلقِي، وَلَـمْ تَجعَلْ إِلَـيَّ شَيـئَـاً مِـنْ أَمـرِي، ثُـمَّ أَخـرَجـتَنِي لِلَّذِي سَبَقَ لِـي مِـنَ الـهُدى إِلَـى الدُّنيـا تَـامّاً سَوِيّاً، وَحَفِظتَنِي فِي المَهدِ طِفلاً صَبِيّا، (فالانسان وهو طفل معرض في كل لحظة للهلاك لولا حفظ الله له) ،

وَرَزَقتَنِي مِنَ الغِذَاءِ لَبَناً مَرِيّا (اي الحليب الهنيء الطيّب، فلو تفكّر الانسان في نعم الله كيف غذاه الله وهو طفل رضيع أفضل وأكمل والذ طعام يقدر على تناوله وهو في هذه الحال من العجز والضعف وعدم امتلاك أدوات أكل الطعام وهضمه فلولا ان هداه الله لقبول الثدي وامتصاص الحليب لمات جوعا وعطشا)،

وَعَطَفتَ عَلَيَّ قُلُوبَ الحَوَاضِنِ، ( الحواضن جمع حاضنة وهي المرأة التي تقوم على تربية الصغير، بمحبتها وتفانيها في خدمته ولو على حساب عافيتها وصحتها وسلامتها، فمن الذي القى الرحمة والمحبة في قلبها؟)،

 وَكَفَّلتَنِي الاُمَّهَاتِ الرَّوَاحِم، وَكَلَأتـَنِي مِنْ طَوَارِقِ الجَان (كلأتني اي حفظتني ورعيتني، فلولا حفظ الله للطفل لكانت الحوادث عليه بلا انقطاع ولكان الموت أقرب إليه من الحياة، والمراد بالطوارق هو ما يطرق أو يأتي فجأة من الحوادث والمقادير)،

وَسَلَّمتَنِي مِـنَ الـزِّيَـادَةِ وَالـنُّـقصَانِ، فَـتَعَالَـيتَ يَا رَحِيمُ يَا رَحمانُ، حتّى إِذَا استَهلَلتُ نَاطِقاً بِالكَلَامِ، أَتمَمتَ عَلَيَّ سَوَابِـغَ الإِنـعَامِ، وَرَبَّـيتَنِي زَائِـداً فـي كُـلِّ عَـامٍ ]،

( فلو تأمل الانسان في الزيادة المتناسبة في العقل واجزاء الجسم الخارجية والباطنية وتناغمها مع بعضها لادرك معجزة لله الواضحة في خلق الانسان وتدبيره كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾،﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدىٰ﴾، ولولا ذلك لوجدت التشويه والخلل في طول الاشياء وعرضها وكبرها ووزنها اضافة إلى تزاحمها وتعارضها، فلو كانت كل يد بطول معين، وكل رجل بطول آخر، وكان الأنف طويلا جداً، والفم واسعاً عريضا، والاذان ضخمة كبيرة كآذان الفيل، والعين واحدة او منحرفة، وامثال ذلك من التشوهات، لزال كل جمال للإنسان ولتعارضت وظائفه وتخالفت مع بعضها، فكم لله من رحمة ونعمة يجهل العباد قدرها للأسف) .

وللحديث تتمة

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com

`