الصلاة الخاشعة    38
 

في معنى ﴿الرحمن الرحيم﴾
 

عن امير المؤمنين قال:  [رَحِيمٌ لاَ يُوصَفُ بِالرِّقَّةِ].

   بعد ان يذكر المصلّي الحمد لله في اول سورة الفاتحة مستحضرا عظمة ما خلقه في العوالم المختلفة فان عليه ان ينتقل بعدها إلى صفات هذا الخالق العظيم كما تناولته السورة، فيعلم أن أوّل صفاته هو أنه ﴿الرَّحمنِ الرَّحِيمِ﴾، فهو قد شمل جميع هذه الخلائق بنعم لا تعدّ ولا تحصـى من الجـود والكرم والرحمة والاحسان، وهو القائل: (وَرَحمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيء) فلا حدود لرحمته وفضله.

   والرحمان الرحيم هما اسمان مشتقان من الرحمة، الا ان الرحمان تحتوي على مبالغة يختص بها الله وحده لا يشاركه في هذا المعنى سواه وهو فعل النعمة التي لا يستطيعها ولا يقدر عليها غيره، فالأصل في باب اللغة ان يكون اسم الفاعل فاعلا، فان ارادوا المبالغة حملوا على فعلان وفعيل كما قالوا غضب فهو غضبان وسكر فهو سكران، والمراد بالرحمن تلك الصفة لله من حيث فعل الفعل الذي لا يقدر عليه غيره.

   اما معنى الرحيم فهو انه لا يكلف عباده بما لا يطيقونه بل لا يكلفهم جميع ما يطيقونه! فان الملك لا يوصف بانه رحيم اذا كان تكليفه لعبيده بجميع ما يطيقونه، وانما يكون رحيما اذا لم يشق عليهم في تكاليفه.

   وقد قُدّم الرحمن على الرحيم في سورة الفاتحة لان وصفه بالرحمن بمنزلة الاسم العلم من حيث لا يوصف به إلا الله تعالى فصار بذلك كإسم العلم في انه يجب تقديمه على صفته كما هو في المباحث اللغوية.

   وفي معنى الرحمن الرحيم مضامين عدة تناولتها كتب التفسير بالشرح والتفصيل، قيل فيها ان الرحمن هو لرحمته بجميع الخلق في الدنيا، والرحيم بالمؤمنين خاصة وهو في الاخرة، وعلل الرحمن بإحداث النعم لجميع الخلق لأنه هو الذي انشأهم وجعلهم احياء قادرين وخلق فيهم القدرات والشهوات والخصائص المميزة لكل منهم، والرحيم بالمؤمنين لما اعطاهم من لطائف النعم في الدنيا التي وفقهم فيها الى الهدى والاستقامة، اضافة لما سيجزيهم به في الآخرة من عظيم الثواب وحسن الجزاء، وغير ذلك من المباحث.

   وفي حديث امير المؤمنين في نهج البلاغة عن بعض صفات الله والتي ذكر فيها الرحيم فقال:

 [لاَ تُدْرِكُهُ الْعُيُونُ بِمُشَاهَدَةِ الْعِيَانِ، وَلكِنْ تُدْرِكُهُ الْقُلُوبُ بِحَقَائِقِ الاْيمَانِ، قَرِيبٌ مِنَ الاْشْيَاءِ غَيْرُ مُلاَمِس، بَعِيدٌ مِنْهَا غَيْرُ مُبَايِن (اي بعيد من الاشياء ولكن غير منفصل او منقطع عنها)،

مُتَكَلِّمٌ بِلاَ رَوِيَّة (اي بلا تفكر كما يفعل الانسان لان الاشياء حاضرة في علمه)،

مُرِيدٌ بِلاَ هِمَّة (والهمة هو الاهتمام بالأمر بحيث لو لم يفعل لجر نقصا واوجب هما فهو القادر على كل شيء وكل شيء خاضع لأمره)،

صَانِعٌ لاَ بِجَارِحَة (اي يصنع ما يشاء من دون وجود اعضاء بدنية له كما هو الحال مع الانسان)،

لَطِيفٌ لاَ يُوصَفُ بِالْخَفَاءِ (فهو غير ظاهر بوجوده المقدس ولكنه غير مخفي على عباده بخلقه وصنعه)،

كَبِيرٌ لاَ يُوصَفُ بِالْجَفَاءِ (اي كبير في عطائه وكرمه لا يوصف بالغلظة والخشونة مع عباده فهو رحيم بهم غفور لهم يتقبل توبتهم ورجوعهم عليه)،

بَصِيرٌ لاَ يُوصَفُ بِالْحَاسَّةِ (فالله سبحانه يختلف عن مخلوقاته فهو يبصر من غير اداة، ويسمع من غير اذن، ويفعل من غير جارحة)،

رَحِيمٌ لاَ يُوصَفُ بِالرِّقَّةِ (لان الله سبحانه ليس له الصفات والمشاعر التي صنعها في خلقه فحبه ليس بالمعنى البشري من العواطف والانفعالات ولا بغضه بتمركز المشاعر والانفعالات السلبية كما في البشر، كما ان رحمته ليست بحدوث الرقة والعطف البشري، فالخالق ليس كالمخلوق الذي هو اعطاه الحياة والعقل وبقية الصفات البشرية، فمهما بلغ الانسان من العلم فلا يرتقي الى صفات الخالق الذي صنعه وحدده بما خلقه عليه)،

تَعْنُو (اي تذل) الْوُجُوهُ لِعَظَمَتِهِ، وَتَجِبُ الْقُلُوبُ (اي تخفق وتضطرب) مِنْ مَخَافَتِهِ].

  فهذه بعض صفات الخالق الي ينبغي للمصلي ان يستحضـرها في قلبه وهو يخاطبه ويتلو آياته .

وللحديث تتمة

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com