الصلاة الخاشعة    32
 

المعاني الايمانية للصلاة
 

قال الله تعالى في كتابه المجيد:

﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ)

   والخشوع هو معرفة القلب بأهداف الصلاة واسبابها فاذا خشع القلب خشع الجسد، وما عمل الجوارح إلا آثار وانعكاسات لما يحدث في القلب، فإذا خلى القلب من الايمان كانت الجوارح والبدن كالجسد الميت بلا روح لا فائدة منها، لأن المقصود الأصلي هو صلاح القلب وسلامته، فهو كالرأس للجسد.

    فما يراد من خشوع القلب هو اقراره بوحدانية الله وتدبيره لشؤون خلقه كافة، فليس من شكّ في أن الله سبحانه هو غني عن عباده وهم أهل الفقر والحاجة إليه، لا يستطيعون الاستغناء عن عونه، ولا الانقطاع عن حوله وقوته، ولا الخروج عن سننه وإرادته، ولا مجاوزة قدره وقضائه، فهو خالقهم ومالكهم ورازقهم وكافيهم، ومحييهم ومميتهم وباعثهم ومجزيهم، ليس لهم من الأمر شيء إِلَّا ما خوّله لهم وما قضاه لهم من قبل وقدّره لهم.

  وكان من فضله ورحمته وكرمه أن جعل لهم الصلاة وسيلة لمناجاته، وسبباً لـمغفرته، وعلّة لعفوه وإحسانه، وباباً لكرمه وجزائه، في دار الدنيا وفي دار القرار، فمَن عرف قدرها وأعطاها حقّها فقد غنم في دنياه وفاز في آخرته، ومَن غفل عنها وجهل منزلتها فقد حُرم خير الدنيا وخسـر عظيم ثواب الآخرة، ولذا يلزم المصلي المؤمن ان يتحلى بالمعاني التي ارادها الله من المصلين.

سُئل الإمـام الصادق ع عن علّة الصـلاة فقال:

[علّة الصلاة أنـّها إقـرار بالربوبيـة لله عزّ وجلّ (أي ان الصلاة تعبير عن التسليم لله بالربوبية والاقرار له بالهيمنة والتصرف في كل شيء في الوجود فجميع الخلائق محتاجة في حياتها ووجودها لعنايته وتدبيره ومن ذلك الانسان الذي يحتاج في كل لحظة من عمره الى تدبيره لدوام حياته ووجوده والالتزام بالصلاة في اوقاتها التي فرضها على عباده انما هو اقرار بالخضوع لأمره وارادته في جميع الامور بلا استثناء)،

وخلع الأنداد (أي ان الصلاة تمثل الرفض لكل اله وحاكم يكون بديلا عن الله، مما يعني ان المصلي لن يطيع اي قانونا او حكما يتعارض مع ارادة الله وقوانينه)،

وقيام بين يدي الجبار جلّ جلاله بالذّل والمسكنة والخضوع والاعتراف (فالصلاة تعبير عن الاعتراف بربوبية المولى والتقرب اليه بالخضوع والاجلال والتعظيم لنيل رضاه وحسن المنقلب اليه)،

والطلب للإقالة من سـالـف الذنوب (وهي باب لطلب العفو والمغفرة لما مضى من الذنوب بحسن الدعاء والتضرع)،

ووضـع الوجـه على الأرض خمس مرات إعظاماً لله عزّ وجلّ (فالصلاة وسيلة لتعظيم الله وتجليله ودوام ذكره بالسجود والقنوت )،

وأن يكون ذاكراً (أي لا يغفل عن ذكر الله ومراقبته في جميع الاحوال)،

غيـر ناس ولا بطرٍ (أي لا تأخذه دوامة الحياة ومشاغلها فينسى ذكر الله واقامة الصلاة بأوقاتها)،

ويكون خاشعاً لله متذلّلاً راغباً، طالباً للزيادة في الدين والدنيا (فالصلاة وسيلة لتحصيل فضل الله وانعامه في توفيقات الدنيا والاخرة)،

مع ما فيه من الإنزجار (مع كونها وسيلة للامتناع والارتداع عن المعاصي)،

والـمداومة علـى ذكر الله عزّ وجلّ باللّيل والنهار(اذ عند كل صلاة لابد وان يحضر المصلي وجود الله في صلاته وذكره فلا يغفل عن ربه)،

لئلّا ينسى العبد سيّده ومدبّره وخالقه فيبطر ويطغى].

وللحديث تتمة

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com