الصلاة الخاشعة    23

 

صلاة المودع
 

عن رسول الله(ص) أنه قال:
[إذا صلّيت صلاة فريضة فصلّها لوقتها صلاة مودّع يخاف ألَّا يعود إليها].

وصلاة الـمودّع هي كمن يرى أنّه يوشـك أن يغادر الدنيا ويترك كل شيء فيها من المشاغل والاهتمامات الشخصية او العامة، فعند الانتقال الى الاخرة يبقى كل ما كان للدنيا في الدنيا ملقى على ترابها وينتقل ما كان للأخرة مع الرحيل الابدي عن الدنيا.

فعن امير المؤمنين ع في وصف حال من ودع الدنيا فقال:

[فكأنّهم لـم يكونوا للـدنيا عمّـارا، وكأن الآخرة لـم تزل لـهم دارا                                                {اي كأنهم لم يكونوا احياء لطول البقاء والمكوث في البرزخ وعالم الاخرة}،

أَوحشـوا ما كانوا يوطنون، وأَوطنوا ما كانـوا يوحشون                                                       {فما كانوا يخشون منه ويستوحشون من الانتقال اليه في بطن الارض قد اصبح واقعا لهم واصبح باطن الارض مسكنهم ومستقرهم الى قيام الساعة}،

لا يستأنسـون بالأوطان، ولا يتواصلون تواصل الجيران                                                       {فهذا الوطن الجديد تحت الارض الذي انتقلوا اليه رغما عنهم هو ليس كوطنهم السابق فلا يستأنسون فيه ولا يتواصلون فيه مع الاهل والاحباب كما كانوا في عالم الدنيا فقد تركوا خلفهم الأموال والأزواج والأولاد والعناوين والمسؤوليات وكلّ ما كان يشغل قلوبهم همّاً وفكرا}]،

وفي حديث جامع عن الإمام الصادق ع أنه قال:
[إذا استقبلتَ القبلة فانسَ الدنيا وما فيها، والخلق وما هم فيه، واستفرغ قلبك من كل شاغل يشغلك عن الله، وعاين بسـرّك عظمة الله، واذكر وقوفك بين يديه يوم تبلو كلّ نفس ما أسلَفَت ورُدّوا إلى الله مولاهم الحق، وقف على قدم الخوف والرجاء، فإذا كبّرتَ فاستصغر ما بين السماوات العلىٰ والثرىٰ دون كبريائه، فإن الله تعالى إذا اطّلع على قلب العبد وهو يكبّر وفي قلبه عارض عن حقيقة تكبيره قال: يا كاذب أتخدعني؟ وعزّتي وجلالي لأحرمنّك حلاوة ذكري، ولأحجبنّك عن قربي والمسارّة بمناجاتي، واعلم أنه غير محتاج إلى خدمتك، وهو غنيّ عن عبادتك، وإنما دعاك بفضله ليرحمك ويبعدك عن عقوبتـه، وينشـر عليك من بـركات حنانيّتـه، ويهديك إلى سبيل رضاه، ويفتح عليك باب مغفرته، فلو خلق الله عزّ وجلّ على ضعف ما خلق من العوالم أضعافاً مضاعفة على سرمد الأبد، لكان عنده سواء كفروا بأجمعهم به أو وحّدوه، فليس له من عبادة الخلق إِلَّا إظهار الكرم والقدرة،، فاجعل الحياء رداءً، والعجز ازاراً، وادخل تحت ستر سلطان الله تغنم فوائد ربوبيّته، مستعيناً به ومستغيثاً إليه].

  ومن يدري فلعلّ الصلاة التي تصلّيها تكون هي آخر صلاة لك ثم يطوى كتابك وتكون من اهل الاخرة وعندئذ يصبح تحصيل الحسنة الواحدة حـسرة في القلب لا تستطيع اكتسابها إلّا ما بقي لك من صدقات جارية خالصة لله تعالى.

وللحديث تتمة

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com