الصلاة الخاشعة    20
 

البعد الاجتماعي في الصلاة
 

عن رسول الله (ص)  قال:
[ركعتان يصلّيهما العالم أفضل من سبعين ركعة يصليها العابد].

   تقدم الحديث عن الوعي لمنزلة الصلاة وما تتركه في القلب من اثار مهمة في تربية الانسان وتذكرته بحقيقة الحياة الدنيا، وهو ما سيتناوله البحث في حلقاته القادمة، الا انه قبل الخوض في ذلك لابد من التذكير بأثر الصلاة في تربية المجتمع بكل جوانبه الاخلاقية والسلوكية.

    فالإنسان جزء من المجتمع يؤثر فيه ويتأثر منه، ولذا لا يطلب الاسلام من الناس تطهير أرواحهم وتزكية أنفسهم في عزلة عن المجتمع وأحداثه ومتغيّراته، فإنّ الجانب الاجتماعي هو جزء من متطلّبات الحياة وضروراتها المعاصرة، ولا يمكن للإنسان أن يعيش معزولاً عن الناس في الكهوف والغابات والصوامع وزوايا المساجد أو في حياة اجتماعية مضطربة اقرب الى التعقيد منها الى الانفتاح، بل لابدّ له في ذات الوقت الذي يعمل على تسامي روحه وتزكية نفسه أن يكون له دور وفعل في تغيير المجتمع وتطهيره من الدرن والأوساخ المادية والمعنوية وكلّ ما يمنع من الالتحاق بركب الإيمان من طقوس وعادات وتقاليد ومؤثّرات خارجية أو داخلية تشترك جميعاً في حرف الدين أو تحجيمه أو تغيير مساره الربّاني.

    ولهذا كان الأمر الإلهي للمؤمن بعد تكليفه بالصلاة أن يهتم بأسرته وأهله أوّلاً لينتقل منهم إلى المجتمع فيما بعد كما في قوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾، وتعبير اصطبر انما يعني التصبّر أي تكلّف الصبر أو تعويد النفس على الصبر وعدم التأثر بالمؤثرات التي تمنع من أداء الصلاة بشـروطها الفردية والاجتماعية، ثم قال سبحانه: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾، ثم قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ﴾،

   ولذا فالمؤمن مكلف بإصلاح وأهله ومحيطه الخاص ومجتمعه العام كما هو مكلّف بإصلاح نفسه وتربيتها وتهذيبها من جهة أخرى ليفوز بتوفيق الله وتسديده كما في قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرضاً حَسَناً﴾.

   ولكن يبقى العامل الأساسي المهم هو تهذيب النفس وتربيتها واعدادها للأخرة المطمئنة الامنة وهو ما تقوم به الصلاة الخاشعة من اعداد المؤمن المتلهّف لطاعة الله والمتطلّع للوصول إلى مراحل الكمال الإيمانية، والذين ذكرهم الله بقوله: ﴿قَد أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى* وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾.


وللحديث تتمة

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com