الصلاة الخاشعة    19
 

الوعي لمفهوم الصلاة
 

   تقدم الحديث عن تهيئة القلب للصلاة باستباق وقت الاذان بالوضوء ومراقبة وقت الفضيلة وتهيئة النفس بذكر الله قبل الشروع في الصلاة فمن شأن هذه المقدّمات ان ترطّب النفس وتوجّهها للأقبال على الله والخشوع له بالتفاعل مع اجزاء الصلاة ومضامينها واستشعار وجود الله ومخاطبته من خلال القيام بالصلاة، وهو ما اشتملت عليه بعض الآيات كما في قوله تعالى:                                                                   ﴿قَد أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى* وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ﴾

وكما في قوله تعالى:
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴾

   فالصلاة بذاتها لا تؤثّر في الإنسان تأثيراً فيسيولوجياً أو آليا أو قهرياً فتجعله في حال يخرج فيه عن الدنيا ويخضع إلى تأثيرات كهرو مغناطيسية خارجة عن إرادته يحلّق فيها في عالم القدس والملكوت لتكسبه الصلاة بعد أدائها طاقة إشعائية ليزرية خاصّة تمنعه من الوقوع في المعاصي باعتبار أنّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر!!

   فليس المراد من الآيات والأحاديث التي تتحدث عن الخشوع في الصلاة هو الوصول إلى الحالة الآلية التي تخرج الإنسان عن إرادته وفكره تلقائيا، وإلّا لوكان الأمر كذلك لزال الاختبار والإمتحان والثواب والعقاب، وإنّما المراد بالصلاة الخاشعة هو بلوغ درجات ومراتب المتّقين والمخلصين في صلاتهم وتهيئة الأرضية الصالحة لنزول الرحمة والفيض الإلهي.

    وبمعنى آخر تهيئة النفس للإقبال على الله في الصلاة من خلال العيش بمعاني الصلاة، والارتقاء إلى مراتب العبودية الاختيارية، والتحسّس بمولوية الخالق العظيم الذي خضع له كلّ شيء في هذا الكون، فيستشعر المصلّي وجوده وذكره خلال قراءته في الصلاة، وفي تمجيده وتسبيحه أثناء الركوع والسجود، وفي مخاطبته والتضـرّع إليه عند القنوت والتشهّد، فذلك هو الذي يعطي المؤمن القدرة على مقاومة سبل الشيطان في إغوائه ويمنعه من السقوط في الفحشاء والمنكر، وهو الذي يعطيه القوة في التحكم بالشهوات والأهواء، ولذا كانت الآية التي تشير إلى أثر الصلاة في منع المؤمن من الوقوع في الفحشاء والمنكر متضمّنة لمعنى دقيق يبيّن أنّ الأصل في عصمة الإنسان هو ذكر الله الذي يستولي على روح الإنسان وفكره ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ﴾، وأنّ ما يتحف الله عبده بهذا الذكر من رحمته وفضله هو أكبر من ذكر العبد لربّه في الصلاة أو في غيرها.

   ومن المهمّ الالتفات إلى أنّ هذه العصمة أو الحصانة التي تسبّبها الصلاة لفاعلها إنّما هي متناسبة مع مقدار وعيه لدور الصلاة، وتفاعله مع مضمونها، وبكلمة أخرى هي متناسبة مع مقدار ما اكتسبه الإنسان في علاقته مع الله وما ناله من نفحات الإيمان عبر الصلاة التي أدّاها، ومن هنا يكون الفرق بين صلاة وصلاة، وبين فرد وآخر.
عن رسول الله (ص) قال:
«إن الرجلين من أمّتي يقومان في الصلاة ، وركوعهما وسجودهما واحد، وإنّ ما بين صلاتيهما مثل ما بين السماء والأرض!»

   ولذا تفرق صلاة العابد الواعي لمفاهيم الصلاة ومستلزماتها عن صلاة المتعبد التقليدي وزناً وقيمة عند الله حتى لو كثرت كمّية صلاة المتعبد التقليدي، فالنوعية ترجح على الكمّية في كل العبادات.


وللحديث تتمة


محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com