تاملات في القضية الحسينية   7

حفظ النهضة الحسينية

   عن الامام الحسين ع في وصيته الى اخيه ابن الحنفية عندما غادر المدينة متجها لمكة ومنها للعراق قال فيها:

[وأني لم أخرج أٓشِرا ولا بٓطِرا، ولا مُفسِدا ولا ظالما، وإنما خرجت لطلب الاصلاح في امة جدي صلى الله عليه وآله، اريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب، فمن قبلني بقبول الحق، فالله أولى بالحق، ومن ردّ عليّ هذا، أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين ، وهذه وصيتي يا أخي إليك وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه انيب].

   ورد في تاج العروس معنى كلمة اشر حيث جاء فيه: الأشَرُ هو البَطَرُ، وقيل: أشَدُّ البَطَرِ، وقيل: الأشَرُ هو الفَرَحُ بَطَراً وكُفْراً بالنِّعمة، (وهو المَذْمُومُ المَنْهِىُّ عنه لا مُطْلَقُ الفَرَحِ)، كما قيل ان الاشر هو البطر او هو الفرح والمرح بشدة، وتستعمل هاتان الكلمتان لمن يخرج للصيد لهوا وبطرا، وقد ورد في القران ذكر الاشر في الآيات التالية: [أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ () سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ]

   فيتبين من ذلك ان المراد من كلام الامام الحسين ع بقوله:  (اني لم اخرج اشرا ولا بطرا)،ان خروجه لم يكن بقصد اللهو واللعب، وانما كان من اجل الاصلاح لأمر المجتمع الذي ساد فيه جميع انواع الفساد الاخلاقي والاقتصادي والاجتماعي، والسياسي، وهو ما يعني انه لو ترك المجتمع على ما هو عليه لازداد الوضع سوء وازداد الناس بعدا عن الله وعن دينه، ولذا كان لابد من العمل على اصلاحه بكل ما يرضي الله وما امر به عباده.
   واذا كان خروج الامام بشخصيته المعروفة بالعلم والرزانة والمكانة والمنزلة الاجتماعية الكبيرة، فان خروجه او قيامه بالمسئولية الدينية والاجتماعية لم يترك عذرا لمعتذر ان يتخلف عن الواجب، خاصة وان شهادته المأساوية بنفسه واهل بيته وما اصاب النساء والاطفال من بعده دليل على انه مهما كانت التضحيات كبيرة فلا يجب ان تكون مانعا من اداء الواجب، فالقضية هي قضية دين واخرة وليست قضية سياسية دنيوية، ولذا يقول الامام في تتمة قوله: (اريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب)، فسيرة رسول الله وسيرة امير المؤمنين لم يكن فيها شيئا غير طلب مرضاة الله والقيام بأمره وما نزل به كتابه من اقامة فروضه والالتزام بها وعدم ترك الدنيا لتكون مانعا عن السعادة الاخروية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ)،
   ولذا فان من اولويات احياء الثورة الحسينية هو ان يحقق الانسان اهداف الامام في نفسه واسرته ومن حوله والمجتمع بشكل عام، فلا يكون الاحياء بالبكاء والعزاء في يوم شهادته فحسب، وانا تكون المناسبة الحزينة باعثا لوضع كلمات الامام واهدافه في القلب، ففي كل يوم يقول المصلي في صلاته: (اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين انعمت عليهم)، ومن افضل من حجج الله ان يكونوا قدوة للمؤمن في حياته.


وللحديث تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com