تأملات في القضية الحسينية   5

 

الوعي للنهضة الحسينية

   كثير من القضايا السياسية والاجتماعية تحتاج الى زمن حتى تتضح حقيقتها وتنضج في العقول والنفوس خفاياها، وخاصة اذا كانت ذات طبيعة عاطفية تمس المعتقدات او كانت وراءها قوى تواصل اخفاء الحقيقة وحجبها.  

    ولعل الباحث يتفاجأ للروايات الكثيرة التي اشتملت على قضية الامام الحسين وخاصة في عهد الامامين الباقر والصادق ع حيث كانت تلك الفترة تمثل فترة استثنائية من زوال الحكم الاموي وبداية الحكم العباسي الذي ابتدأ حركته باسم الثأر للحسين ونصرة أهل البيت ثم بعد استقرار امره تابع مسيرة الامويين في قتل الائمة ومعاقبة الزائرين للأمام الحسين بقطع الايدي والارجل او قتلهم، حتى بلغ الامر أشده حين اجرى المتوكل الماء على قبر الحسين لمحو اثره وذكره .

   ورغم ان الامام زين العابدين في حياته لم يترك التبليغ للقضية الحسينية واهدافها وكان يواصل ذكرها كلما استطاع لذلك سبيلا الا ان مستوى الوعي في الامة في ذلك الوقت لم يكن يفهم من القضية الحسينية الا بعدها العاطفي فكان الامام ع يثير هذه المسألة من هذا الجانب ويؤكد على مظلومية اباه ومأساة كربلاء في تعامله مع عموم الناس، وهكذا كان الحال فيما بعده من عمل الائمة اذ كان ذكر الحسين وزيارته يعد ذنبا لدى الحكام يستوجب العقوبة لفاعله،

   ولذا كانت احاديثهم ع تدعو لذكر الحسين والبكاء عليه وزيارته، ورثاءه، وانشاد الشعر فيه، انكارا للمنكر، ومجاهدة في ذات الله، ومحاربة لأعداء الله، ولئلا تطفأ نور نهضته العظيمة، وفى مقابلهم كان اعداء اهل البيت يسعون في اماتة ذكر الحسين والمنع من زيارته والبكاء عليه، فمن وجدوه يفعل شيئا من ذلك أخذوه وشردوه وقتلوه وهدموا داره ونكلوا به.

   ومن هنا تتضح كثرة الروايات التي تدعو الى البكاء على الحسين او زيارته واحياء امره حيث يعد ذلك من اعلى درجات الجهاد في سبيل الله في وقته .

فعن الامام الصادق ع قال:  [قال الحسين بن علي(ع) : أنا قتيل العبرة لا يذكرني مؤمن إلا بكى].

وعن الامام الرضا ع قال: [قال أبو عبد الله الحسين بن علي عليهما السلام: أنا قتيل العبرة لا يذكرني مؤمن إلا استعبر].

وعن الامام الصادق ع قال: [الحسين عبرة كل مؤمن]. {اي منسوب إلى العبرة والبكاء لشدة الماسي والاحداث التي تضمنت مقتله].

وعن الامام الصادق ع قال عن المجالس التي تحي ذكر الحسين ومنزلته:                                        [إن تلك المجالس أحبها فأحيوا أمرنا يا فضيل، فرحم الله من أحيى أمرنا].

   وعن الامام الرضا ع قال:  [إن المحرم شهر كان أهل الجاهلية يحرمون فيه القتال فاستحلت فيه دماؤنا، وهتكت فيه حرمتنا، وسبي فيه ذرارينا ونساؤنا، واضرمت النيران في مضاربنا، وانتهب ما فيها من ثقلنا، ولم ترع لرسول الله حرمة في أمرنا، ان يوم الحسين أقرح جفوننا، وأسبل دموعنا، وأذل عزيزنا بأرض كرب وبلاء، أورثتنا الكرب والبلاء إلى يوم الانقضاء، فعلى مثل الحسين فليبك الباكون فان البكاء عليه يحط الذنوب العظام]

 
عن الامام الصادق ع قال: [قال الحسين بن علي عليهما السلام: أنا قتيل العبرة قتلت مكروبا، وحقيق على الله أن لا يأتيني مكروب إلا رده وقلبه إلى أهله مسرورا]


   وعنه ع في حديث اخر قال:  [مروا شيعتنا بزيارة قبر الحسين عليه السلام فان إتيانه يزيد في الرزق، ويمد في العمر، ويدفع مدافع السوء، وإتيانه مفترض على كل مؤمن يقر له بالإمامة من الله]

وعن الامام الصادق ع قال: [من سره أن يكون على موائد النور يوم القيامة فليكن من زوار الحسين بن علي عليه السلام]

   والحق ان قضية شهادة الحسين ع وما فيها من احداث وماسي هي من القضايا الحزينة التي تفجع القلوب وتبكي الصخر، الا ان الشيء المهم الذي ينبغي التأكيد عليه هو الوعي لأهداف هذه النهضة العظيمة التي حفظت الاسلام من الانحراف، فهي ثورة قيم ومفاهيم وتغيير في واقع الامة مما يستوجب عدم الاستغراق في الجانب العاطفي والمأساوي رغم اهميته في تحريك القلوب بالإضافة الى توظيفه بما ينعكس على الواقع المعاصر، فلكل زمان يزيديون يطلبون الدنيا، ولكل زمان حسينيون يسيرون على خطى الامام الحسين واهدافه فليس المهم اظهار المحبة للحسين بالسير مشيا على الاقدام لزيارته ولكن المهم الوعي لهذا المشي بتحقيق اهداف الحسين ع فحينما يعود الماشي ينبغي ان يشرق الحسين في نفسه ويترك اثره عليه في حياته وعمله وبيته واستقامته ونزاهته ومسيرته بالحياة كلها.


وللحديث تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com