تأملات في القضية الحسينية    4
 

(التميز بين العلماء والخطباء)
 

عن الامام الباقر ع قال:

💠[إن لنا أوعية نملأها علما وحكما، وليست لها بأهل، فما نملأها إلا لتُنقَل إلى شيعتنا، فانظروا إلى ما في الأوعية فخذوها ثم صفّوها من الكدورة تأخذونها بيضاء نقيّة صافيّة، وإياكم والأوعية، فإنها وعاء فتنكّبوها(اي فاجتنبوها)].(مستدرك الوسائل ٢٨٤/١٧ )

في هذا الحديث يتحدث الامام الباقر عن رواة الاحاديث وصفاتهم فيعبر عن بعضهم (بالأوعية) تشبيها لهم بالوعاء الذي يُنقَل فيه الشـيء بغض النظر عن شكله ونوعيته وخصائصه، فهو ليس الا وسيلة للنقل، وهو جوهر الموضوع الذي يدور حوله الحديث.

فهذه الاوعية او الاشخاص الذين يحمّلون الروايات قد لا يكونون اهلا لنقلها، ولكن اهل البيت استفادوا منهم كآنية او وسيلة لنقل بعض علومهم الى شيعتهم لوجود بعض الموانع الاجتماعية او السياسية التي تحول بينهم وبين ايصال علمهم مباشرة اليهم.

فمضمون الحديث يدعوا الى التأمل في الاحاديث التي تنقل عن الائمة ع وتنقيتها مما لحق بها من التشويه والتحريف عبر الازمان المتفاوتة او المسافات المتباعدة من الذين اساءوا نقلها او فهمها او العمل بها، ليحصلوا عليها بعد التنقية بيضاء صافية تعبّر عن مفاهيم اهل البيت وتربيتهم التي ارادوها لشيعتهم.

كما يتضمن الحديث في اخره التحذير من هذه الاوعية او من رواة الحديث الذين ينقلون الاحاديث والذين هم ليسوا اهلا لحملها مما يعني عدم الاعتماد عليهم او الاقتداء بهم لكونهم من رواة الحديث، فان طبع العامة من الناس ينزع الى التقدير والتعظيم لرواة الحديث او المتحدثين بالقران وكأنهم اصبحوا مثالا لمضمون الاحاديث والآيات التي ينقلوها او يتحدثون بها، هذا اذا كان النقل معتمدا على الاحاديث الصحيحة الواردة عن اهل البيت.
اما اذا كانت الاحاديث مكذوبة على اهل البيت ومفتراة عليهم، فينبغي التوقف عندها وعدم نشرها والحديث بها ولو كانت تحمل اسمائهم لأنها لا تمثل احاديثهم وهي تشويه للدين واساءة لحجج الله المصطفين، بل وقد صدر اللعن العام او الخاص من الائمة على من يقوم بالكذب والافتراء عليهم او من ينشر تلك الاحاديث.

والمراد من الحديث هو التنبيه الى ان المظهر الديني في الشكل والملبس والتحدث ببعض الموضوعات الدينية لا يجعل من المتحدث مثلا اعلى للدين، فما اكثر الروايات والآيات التي تؤكد على الفكر والتدبر في اصول الدين ومفاهيمه وقيمه لا في مظاهره الخارجية، فان المظهر الديني لا يعكس حقيقة تدين الانسان وواقعه.

فهناك من ينقل الاحاديث والروايات للناس من دون علم واستيعاب لمعانيها او تطبيق عملي لها، فهو بمنزلة من لم يعلم ولم يفهم، هذا اذا كان نقله صحيحا، اما ان كان من المستغلّين للدين والمستفيدين منه في تحصيل الدنيا من امثال وعاظ السلاطين والمستأكلين بالدين، فهؤلاء حطب جهنم الذين اشتروا الدنيا بالأخرة فويل لهم من عذاب النار.

ومن هنا يأتي الحديث عن خطباء المنبر الحسيني، فليس كل من تحدث بالقضية الحسينية كان من اهل العلم والمعرفة، وانما الباب مفتوح على مصراعيه لمن يملك الصوت الحسن الذي يثير الاشجان والدموع، ويحرك مشاعر الناس وعواطفهم حقا او باطلا، ولذا لا ينبغي للعقلاء ان يعطوه بأكثر من قدره ومنزلته، فإن له حسابه يوم القيامة على ما تحدث به وخاصة عندما ينقل الروايات والاحاديث المكذوبة عن اهل البيت.

وكذلك الحال لكل من يتحدث عن الامام الحسين باحاديث تثير الخلافات المذهبية، او تدعوا للخرافة والجهل وتسخيف العقل، او توجد البدع والاضافة للدين بما ليس فيه، او تنشر الاحاديث المكذوبة التي تخالف منهج اهل البيت وسيرتهم، فهو ليس من الدعاة لأهل البيت ولا ممن فقه احاديثهم وعلمهم ولا يمكن وضعه مع اهل العلم والمعرفة مهما كانت اسمه ولقبه وصفته.

فالانتساب لخط الائمة ع ومنهجهم لا يكون بالانتساب النسبي ولا برفع بالشعارات والمظاهر الحسينية، ولا بوضع العمة على الراس مع فراغه من العلم والعقل والفكر، فقد سبقت الاحاديث الشريفة في توضيح معنى الانتماء والولاء الحقيقي لاهل البيت.

فعن الامام الباقر ع قال :‏ ‏
💠[والله ما معنا من الله براءة، ولا بيننا وبين الله قرابة، ولا لنا على الله حجة، ولا نتقرّب الى الله الا بالطاعة، فمن ‏كان منكم مطيعا لله تنفعه ولايتنا، ومن كان منكم عاصيا لله لم تنفعه ولايتنا، ويحكم لا تغتروا].‏

وفي حديث اخر عنه ع قال:‏
💠‏[أبلغ شيعتنا أنا لا نغني عن الله شيئا، وأبلغ شيعتنا أنه لا ينال ما عند الله إلا بالعمل، وأبلغ شيعتنا أن أعظم ‏الناس حسـرة يوم القيامة من وصف عدلا ثم خالفه إلى غيره، وأبلغ شيعتنا أنهم إذا قاموا بما أُمروا أنهم هم ‏الفائزون]. لذا ينبغي تميز العلماء بعلمهم ووضع كل انسان في موضعه.


وللبحث تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com