تأملات في القضية الحسينية   3
 

(اللب والقشر او الجوهر والمظهر)
 

عن رسول الله (ص) انه قال:
💠[ليس الايمان بالتمني والتحلي ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل].
هذا الحديث يوضح المعنى الصحيح لمفهوم الايمان في القضايا والمعتقدات الدينية، فهو لا يكون في المظهر من تغير الحال والشكل كإهمال الشعر واطلاق اللحى، ولا يكون في تغير الملبس والزي الخارجي بتقصير الثوب او تغيره من حيث الاضافة او النقصان، ولا بوضع الوشم وما شابه من تغيرات في طبيعة الخلقة الانسانية، فجميع هذه الامور تحكي عن ضعف العقل وسطحية الفكر وتعقيدات النفس، فليس الايمان بالحلية في المظاهر الخارجية وتلبيسها بالدين، وانما الايمان هو ما استقر في القلب وآمن به الفؤاد واعتقد به العقل ثم يتلوه العمل بالمعتقد بعد ذلك والتطبيق لمفاهيمه فذلك هو المقياس الحقيقي للأيمان.

ومن المؤسف ان الناس عموما يسعون للتلبّس في المظهر للأشياء اكثر من التمسك بجوهرها ومضمونها، مع ان المظهر في حقيقته هو كالقشرة التي تكسو اللب والذي هو الاصل في الثمرة، فمهما كان للقشر من فوائد مهمة فهي فوائد وقتية ولا تبلغ قيمة الثمرة.

ومن هنا يتميز الاحياء الحقيقي للمبادئ الحسينية بفهم أهدافها التي سعى الامام ع لتحقيقها عن الاحياء المؤقت في المظاهر الموسمية التي تقام باسمه.

فالأحياء الحقيقي يعني الوعي والفهم والانتباه لاحاديث الامام واعماله عند قيامه برفض خلافة يزيد بعد موت معاوية وفهم حقيقة هذا الرفض ودوافعه من قبل مغادرته المدينة الى مكة ومنها الى العراق ومجريات هذا التحرك وتوقيته واحداثه وما ضمه من الوقائع الحزينة الدامية في كربلاء وما تلاها من مآسي في أسر اهل بيته وسوقهم كالعبيد الى الكوفة ومنها الى الشام وما تضمنه ذلك من خطب العقيلة زينب والامام زين العابدين هناك والتي قلبت النصر الى هزيمة وفضيحة للحكام الطواغيت، والتي حرّكت الوعي في الامة، فميّزت بين الخليفة المستبد بالحكم والغارق في شهوات الدنيا، وبين أولياء الله وحججه والقائمين بأمره.

فقد جرت الاحداث السياسية وخاصة بعد عمل معاوية في تزوير الاحاديث وتحريف الدين عن اصوله الربانية ان الناس اصبحوا يرون الدين متمثلا في الحاكم ويرون ان حكمه هو امتداد لحكم رسول الله (ص)، فكان قيام الامام الحسين وهو سبط رسول الله المعروف بين الامة بدينه وعلمه وتقواه يمثل الحدث الخطير الذي ايقظ النفوس والعقول وجعلها تبصر الحقيقة، فكان كالنور الذي اضاء للامة طريقها وانقذها من الهلكات، ولذلك اشتملت الروايات على وصفه بانه مصباح الهدى كما في حديث النبي (ص) حيث قال:

💠[الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة].

كما اثنى عليه اجمل الثناء وابلغه وأدقه حين قال النبي عنه:

💠[حسين مني وانا من حسين، أحب الله من احب حسينا].

فالحسين من رسول الله لأنه سبطه او ابن بنته، ورسول الله من الحسين لان ثبات قيم الدين في الامة انما كان بعد استشهاد الامام الحسين ومعرفة الناس للحق من الباطل وان الحاكم لا يمثل الامتداد للنبوة الا ما كان حجة لله سبحانه .

ولذا سعى الائمة (ع) من ذرية الحسين في ايضاح الصورة الكاملة وبيان معالم المسيرة الالهية في الدنيا والتي تنتهي بتحقيق حكم الله في ارضه على يد وليه المهدي كما ذكر الله ذلك في كتابه بقوله: (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ).فتلك هي المعرفة لله ولدينه، وهي ثمرة الاحياء الحقيقي للقيام الحسيني.

اما الاحياء المؤقت للقضية الحسينية في ايام عاشوراء من اقامة مظاهر الحزن والعزاء في ثم تعود الامور كما كانت عليه من قبل المناسبة وينسى الحسين واهدافه التي قام من اجلها فهي ليست بشيء من العزاء الواقعي، بل هي شبية بالممارسات المنحرفة التي تحوّل قضية الحسين الى طقوس وتقاليد من الاكتفاء بلبس السواد والبكاء واللطم وقرع الطبول والمزامير او ضرب الرؤوس بالقامات والسيوف وايذاء النفس بضربها بالسلاسل او (الزناجيل المشفّرة) حتى يدميها فيسيء بذلك الى القضية برمتها والى المذهب كله وكأن غرض الامام الحسين هو نبكي عليه وان نجرح اجسامنا وندميها، ونترك الاهداف الكبرى التي استشهد من اجلها، وما كان في ذلك من اذى عظيم لحق باهل بيته واصحابه، فمن يتصور ان ذلك هو الاحياء فقد اضاع نفسه واضاع دينه. (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبَابِ) .


وللبحث تتمة

 

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com