تأملات في القضية الحسينية   24
 

الحب لله اولا
 

حينما يتأمل الانسان في الآيات او الروايات التي تتحدث عن الله فانه يجد حبه قد استحوذ على فكره وقلبه وكل كيانه، لأنه حب نابع من معرفة عظمة الله وجلالة قدره كما في قوله تعالى: (اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ، وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ، وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ، وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا)

  فالخشوع والهيبة والخوف والحب والاجلال يكون وسيلة الى كسب رضا الله فكل شيء خاضع له وكل شيء يجري بأمره وتدبيره (قُلِ اللهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ، وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ، وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ، وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ، بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ، وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ، وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ، وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ، وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ)

   ومثل ذلك ما ورد في روايات المعصومين فعن الإمام الصادق ع قال:
[لو يعلم الناس ما في فضل معرفة الله عز وجل، ما مدوا أعينهم إلى ما متع الله به الأعداء من زهرة الحياة الدنيا ونعيمها، وكانت دنياهم أقل عندهم مما يطؤونه بأرجلهم {اي اقل قيمة من تراب الارض}، وانعموا بمعرفة الله جل وعز وتلذذوا بها تلذذ من لم يزل في روضات الجنان مع أولياء الله، إن معرفة الله عز وجل آنس من كل وحشة، وصاحب من كل وحدة، ونور من كل ظلمة، وقوة من كل ضعف، وشفاء من كل سقم]

   فمن يعرف الله بهذه المعرفة التي تضمنتها آيات الله ومنها قوله تعالى: ﴿فإن العزة لله جميعا﴾، ﴿إن القوة لله جميعا﴾، و﴿إِنَّ اللهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾،﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ، وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ، يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ فان هذه المعرفة تغير جميع المفاهيم عند الانسان لأنه سيدرك ان الامور كلها مرتبطة بالله سبحانه وان لا وجود لغيره في الكون كله، فجميع الصفات الانسانية من القوة والقدرة لا تقابل معنى العزة والقدرة الالهية، فهو المالك الحقيقي وما سواه مالكا نسبيا، ولذا فالمؤمن العارف بالله لا يريد غير وجهه تعالى، فهو لا يخضع لشـيء، ولا يخاف شيء، ولا يرجو شيء، ولا يركن إلى شئ، ولا يتوكل على شيء، ولا يسلم لـشيء، ولا يفوض إلى شيء، ولا يريد ولا يطلب شيئا إلا وجه الحي القيوم الذي يبقى ويفنى كل شيء، فلا يرى وجودا واقعيا لأي شيء قبال وجوده عز وجل،

   ومن هنا يكون تعامله مع جميع ما خلق الله التعامل الصحيح الذي يوضع كل شيء موضعه الذي وضعه الله فيه فلا يبالغ فيه ولا ينقص من قدره، ومن ذلك مسألة التعامل مع انبياء الله وحججه واوليائه والتي هي من مسألة تاريخية فيها ما فيها من المبالغات والافتراءات والخرافات والتي بينها الله في كتابه ونهى عنها كما في الآيات التالية:
(قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ)

(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَىٰ بِاللهِ وَكِيلًا)

(وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ)

   ولا يتسع المجال لتناول جميع الآيات والروايات التي تحدثت عن مبالغات الناس في الدين لأجل اثبات اوهامهم وتصوراتهم وما تعارفوا عليه من دينهم وعقائدهم، وهو ما يشترك فيه الناس في جميع الاديان والمذاهب بطريقة او بأخرى في عقائدهم او في طقوسهم وتعاملهم مع حجج الله واوليائه، ومن هنا يكون الفهم التوحيدي الذي سبق ذكره في المقدمة هو الحافظ والضابط دون خروج الاولياء عن منزلتهم التي اعطاها الله لهم والتي لا تتعلق بكبر المرقد او سعته او تعدد ابوابه وقاعاته، ولا بزينته من النقوش الموجودة في اواوينه ولا بالذهب والفضة الموجودة في القفص الذي يضم القبر الشريف فقيمة الامام هي اسمى من تلك الزينة التي زهدوا بها في حياتهم ولم يبالوا بها فكيف بعد وفاتهم؟ علما ان المتتبع لتاريخ توسعة المراقد الشريفة وتزيينها بالذهب يجد ان القائمين بذلك غالبيتهم كانوا من السلاطين والحكام الذين اتخذوا من تلك الزينة وسيلة لتغطية بعدهم عن جوهر الدين وتعاليم الائمة المعصومين، فأقاموا القشر والمظهر وتركوا اللب والجوهر،

   ولكي يعرف المؤمنون والمؤمنات حقيقة توحيدهم ومقدار معرفتهم وتمسكهم بحجج الله عليهم فان عليهم ان يلاحظوا انفسهم عند زيارتهم لهذه المراقد المكرمة ويتبينوا موضع تعلق قلوبهم، هل هي متعلقة بالقفص الذهبي الذي يحيط بالمرقد الشريف ام بصاحب المرقد الذي اكرمه الله ورفع ذكره وحثت الروايات على زيارته والتوسل به الى الله فموضوع القربة لله في الزيارة هي الاصل الذي يثاب عليه وهو الاصل في جميع العبادات الواجبة والمستحبة                                                                                                     والحمد لله رب العالمين ونسألكم الدعاء في نهاية البحث للعبد الراجي رحمة ربه نبيل شعبان

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com