تأملات في القضية الحسينية    23  
 

تنوير الامة بأهداف الحسين
 

   تقدم البحث عن اسباب النهضة الحسينية التي تناولها الامام الحسين ع في خطبه، فلم يكن قيام الامام كما يصورها بعض الشعراء والخطباء هو قضية اختلاف بين بني هاشم وبني امية وان الافضلية هي لبني هاشم لقرابتهم من النبي، او إن قيام الحسين كان من اجل الحكومة والطمع بالأمارة، فان احاديثه ع كانت تدل على وضوح مقاصده وعلمه بانه لن يبلغها في المرحلة الحاضرة كما في قوله عند مغادرة المدينة: (كأني بأوصالي هذي تقطعها عسلان الفلوات ما بين النواويس وكربلاء فيملأن منّي أكراشاً جوفاً، وأجربة سغبا) والعسلان هم الذئاب والفلاوات هي الصحاري فكأنه قال: كأني بأوصالي هذه تقطعها الذئاب في الصحراء حيث شبه قتلته بالذئاب لان الذئب لا يأكل ما يريده فقط بل يسعى الى قتل القطيع كله فيموت من لا يأكله بالعض والمعاناة من جراحاته، وهذا الذي حدث بكربلاء حيث قتلوا الحسين ومن وقف معه ثم عادوا ليأخذوا جزاءهم من السلطان، وهو ما عبر عنه بقوله: (فيملأن منّي أكراشاً جوفاً، وأجربة سغبا) فالمقصود بالكرش والجراب هو موضع حفظ الطعام والمراد هنا أنهم ملأوا بطونهم بأموال وعطايا السلاطين الظالمين كجائزة لهم لجريمتهم البشعة في كربلاء.

 فلم يكن قيام الحسين لنيل الدنيا، كما كان قيام امير المؤمنين ع وهو القائل عند قبوله للخلافة :
[أَمَا وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ (اي الذي خلق الروح في البشر)، لَوْلاَ حُضُورُ الْحَاضِرِ (اي من حضر لبيعته وذلك عند ثورة الناس على عثمان والاجتماع عليه لقبول الخلافة)، وَقِيَامُ الْحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ (اي وجود الاعوان والانصار له عند قيامه بتولي الامر)، وَمَا أَخَذَ اللهُ عَلَى العُلَمَاءِ أَلاَّ يُقَارُّوا (اي يوافقوا مقرّين) عَلَى كِظَّةِ ظَالِم (الكِظّةُ هو ما يعتري الانسان من ثقل وكرب عند امتلاء البطن من الطعام، وقد شبّه الامام استئثار الظالم بالحقوق بذلك بما يسببه من كرب والم يحيط بالناس من ذلك الظلم، حيث اوجب الله العلماء بعدم السكوت على الظالم او تأييده عند ذاك)، وَلا سَغَبِ مَظْلُوم (السغب هو شدة الجوع والمراد به شدة الهظم والظلم الحاصل الحقوق الناس حيث لا ينبغي للعلماء السكوت عن الظلم والظالمين )، لاَلقَيْتُ حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا (والغارب هو ملتقى المنكبين بالنسبة للدابة وهو اضعف شيئا في البعير فعندما يرخى الرسن للدابة بتركها تسير اينما تشاء فانها تتلف الذي امامها من الزرع، والكلام تمثيل لترك الامور على ماهي عليه من الحال السيء)، وَلَسَقَيْتُ آخِرَهَا بِكَأْسِ أَوَّلِها (اي لكانت الامور في نهاياتها كما كانت في بداياتها، والمراد به ترك الاحوال كما كانت عليه من الظلم والاقصاء لحقوقه وحقوق الناس)، وَلاَلفَيْتُمْ دُنْيَاكُمْ هذِهِ أَزْهَدَ عِنْدِي مِنْ عَفْطَةِ عَنْز] (وهو ما تنثره العنز من انفها، اي لا قيمة للدنيا ولا للأمارة فيها).

   فان زهد أمير المؤمنين لم يختلف فيه اثنان وجميع الائمة من نور واحد فهو القائل: [وَلَوْ شِئْتُ لاَهْتَدَيْتُ الطَّرِيقَ، إِلَى مُصَفَّى هذَا الْعَسَلِ، وَلُبَابِ هذَا الْقَمْحِ، وَنَسَائِجِ هذَا الْقَزِّ (اي الحريربمعنى لو شئت لوصلت الى افضل انواع الطعام واللباس)، وَلكِنْ هَيْهَاتَ أَنْ يَغْلِبَنِي هَوَايَ، وَيَقُودَنِي جَشَعِي إِلَى تَخَيُّرِ الاْطْعِمَةِ، وَلَعَلَّ بِالْحِجَازِ أَوِ بِالْـيَمَامَةِ مَنْ لاَطَمَعَ لَهُ فِي الْقُرْصِ (اي الرغيف الخبز وذلل لعدم قدرته على شرائه)، وَلاَ عَهْدَ لَهُ بِالشِّبَعِ (لان اكله كان من فضلات الطعام او من القمامة)، أَوْ أَبِيتَ مِبْطَاناً (اي يشكو البطنة) وَحَوْلِي بُطُونٌ غَرْثَى (اي بطون جائعة)، وَأَكْبَادٌ حَرَّى (اي اكباد عطشة)، أَوْ أَكُونَ كَمَا قَالَ الْقَائِلُ: وَحَسْبُكَ دَاءً أَنْ تَبِيتَ بِبِطْنَة...وَحَوْلَكَ أَكْبَادٌ تَحِنُّ إِلَى الْقِدِّ] (وهو السير المصنوع من الجلد غير المدبوغ حيث لشدة جوع الفقراء يتناولوه بالأكل بدلا من اللحم ) ثم يقول ع

[أَأَقْنَعُ مِنْ نَفْسِي بِأَنْ يُقَالَ: أَمِيرُالْمُؤْمِنِينَ، وَلاَ أُشَارِكُهُمْ فِي مَكَارِهِ الدَّهْرِ، أَوْ أَكُونَ أُسْوَةً لَهُمْ فِي جُشُوبَةِ الْعَيْشِ (اي غلاظة وخشونة العيش)،فَمَا خُلِقْتُ لِيَشْغَلَنِي أَكْلُ الطَّيِّبَاتِ، كَالْبَهِيمَةِ الْمَرْبُوطَةِ هَمُّهَا عَلَفُهَا، أَوِ الْمُرْسَلَةِ (اي البهيمة المرسلة او المطلق لها العنان) شُغُلُهَا تَقَمُّمُهَا (اي التقاطها للقمامة)، تَكْتَرِشُ (اي تملأ كرشها) مِنْ أَعْلاَفِهَا، وَتَلْهُو عَمَّا يُرَادُ بِهَا، (من الذبح والموت)، أَوْ أُتْرَكَ سُدىً (اي بلا غرض من خلقه)، أَوْ أُهْمَلَ عَابِثاً (اي بلا حساب)، أَوْ أَجُرَّ حَبْلَ الضَّلاَلَةِ، أَوْ أَعْتَسِفَ طريقَ الْمَتَاهَةِ] (اي ركوب الطريق على غير قصد وهو طريق الحيرة والتيه)،

 وهذا هو منطق جميع حجج الله واوليائه

وللحديث تتمة

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com