تأملات في القضية الحسينية   22
 

الدمعة نور وشمعة
 

    لا شك ان القضية الحسينية في مجالها العاطفي قد احرقت قلب كل محب للحسين وأسالت دموعه ونفذت في اعماق ضميره ووجدانه، وهو ما عبر عنه الحديث النبوي الشريف بالقول: [إِنَّ لِقَتْلِ الْحُسَيْنِ (عَ) حَرَارَةً فِيْ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ لاتَبْرَدُ أَبَدَاً]،

 ولقد اجاد الشاعر بالتعبير عن ذلك بقوله:

 اذا ما ذَكرتُ مُصاب الحُسين   ...   تٓفيضُ دموعي من المُقلتين

 فإن كثرة الروايات الشريفة الواردة عن المعصومين في احياء القضية الحسينية وعملهم المتواصل في ذلك جعلت خطبة العقيلة زينب ع حاضرة في كل قلب حين قالت ليزيد في مجلسه وهم اسارى في الشام:
[فكد كيدك واسع سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وَحينا]

ومن ذلك ما بينه الامام الصادق ع في احاديثه عن زيارة الحسين واحياء امره فقال: [قال الحسين بن علي:أنا قتيل العبرة لا يذكرني مؤمن إلا بكى].

وما نقل عن الامام الرضاع بقوله: [قال أبو عبد الله الحسين بن علي: أنا قتيل العبرة لا يذكرني مؤمن إلا استعبر].

وعن الامام الصادق ع قال: [الحسين عبرة كل مؤمن]. {اي منسوب إلى العبرة والبكاء لشدة الماسي والاحداث التي تضمنت مقتله}.

    ومن ذلك دعاء الامام الحسين لزوار مرقده والمحيين لأمره كما في رواية معاوية بن وهب اذ قال فيها: استأذنت على أبي عبد الله ع فقيل لي: ادخل، فدخلت فوجدته في مصلاه في بيته فجلست حتى قضى صلاته وسمعته وهو يناجي ربه وهو يقول: [اللهم يا من خصنا بالكرامة، ووعدنا بالشفاعة، وخصنا بالوصية، وأعطانا علم ما مضى وما بقي، وجعل أفئدة من الناس تهوي إلينا، اغفر لي ولإخواني وزوار قبر أبي الحسين، الذين أنفقوا أموالهم، وأشخصوا أبدانهم رغبة في برنا، ورجاء لما عندك في صلتنا، وسرورا أدخلوه على نبيك، وإجابة منهم لأمرنا، وغيظا أدخلوه على عدونا، أرادوا بذلك رضاك فكافئهم عنا بالرضوان واكلأهم بالليل والنهار، واخلف على أهاليهم وأولادهم الذين خلّفوا بأحسن الخلف، واصحبهم واكفهم شر كل جبار عنيد، وكل ضعيف من خلقك وشديد، وشر شياطين الجن والانس، وأعطهم أفضل ما أملوا منك في غربتهم عن أوطانهم وما آثروا به على أبنائهم وأهاليهم وقراباتهم، اللهم إن أعداءنا عابوا عليهم على خروجهم فلم ينههم ذلك عن الشخوص إلينا خلافا منهم على من خالفنا، فارحم تلك الوجوه التي غيرتها الشمس، وارحم تلك الوجوه التي تتقلب على حفرة أبي عبد الله، وارحم تلك الأعين التي خرجت دموعها رحمة لنا، وارحم تلك القلوب التي جزعت واحترقت لنا، وارحم تلك الصرخة التي كانت لنا، اللهم إني أستودعك تلك الأنفس وتلك الأبدان حتى نوافيهم على الحوض يوم العطش، فما زال يدعو وهو ساجد بهذا الدعاء].

وعن الصادق ع انه قال:[مروا شيعتنا بزيارة قبر الحسين عليه السلام فان إتيانه يزيد في الرزق، ويمد في العمر، ويدفع مدافع السوء، وإتيانه مفترض على كل مؤمن يقر له بالإمامة من الله].


وعن الامام الصادق ع في حديث اخر قال: [من سره أن يكون على موائد النور يوم القيامة فليكن من زوار الحسين بن علي ع ].

وعن الصادق ع عندما سأله ابن سنان من ان ابيه كان يقول في الحج يحسب له بكل درهم أنفقه ألف، فما لمن ينفق في المسير إلى أبيك الحسين عليه السلام ؟
فقال له الصادق ع :[يا ابن سنان يحسب له بالدرهم ألف وألف حتى عد عشرة، ويرفع له من الدرجات مثلها، ورضا الله خير له، ودعاء محمد ودعاء أمير المؤمنين والأئمة عليهم السلام خير له]،

   فالمؤمن الذي لا تبكيه قضية الحسين ولا يتأثر قلبه بأحداث كربلاء ينبغي ان يراجع نفسه ويراجع ايمانه فقد تكون ذنوبه هي التي حجبته عن رؤية نور الحسين الذي شع عبر التاريخ والى اليوم، وما كانت هذه التأملات الا لأحياء امره ونهضته، فالاقتصار على الجانب العاطفي فقط، لا يحقق الاهداف التي نهض من اجلها الامام الحسين، بل لابد من مزجها بالمعاني الفكرية التي تحقق الاهداف الربانية لنهضته، فالحسين ع قد خرج لإزالة التلوث عن الدين واعادته الى ما كان على عهد رسول الله.

    فينبغي ان يكون هذا الهدف هو جزء من هدف الاحياء للنهضة الحسنية، ليعيش الناس اهدافها بالفكر والقلب والروح لا بالطقوس واللطم فلا ينبغي للعاطفة ان تنفصل عن العقل ولا ينبغي للمجالس والشعائر والمنابر ان تكون للدمعة فقط، واذا كانت الروايات تحث على البكاء او التباكي فهي بقصد ان تؤثر الدمعة في القلب وان يعيش الانسان القضية الحسينية بمفاهيمها الربانية وان يكون البكاء والحزن كبكاء التائب الى الله والمستيقظ من غفلته لا ان يكون البكاء حدثا عابرا كتنفيس عن الاذى والالم ثم تعود النفوس على ما كانت عليه من الغفلة واللهو، فقد بكى اهل الكوفة على الحسين عندما وصل ركب الاسارى بل حتى عمر بن سعد بكى على الامام، فليس العبرة بالبكاء بل بالعمل الايجابي الذي يتركه البكاء على النفس فيصلح ما فسد منها ويقرب المؤمن الى ربه ليفوز بسعادة الدارين.


وللحديث تتمة

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com