تأملات في القضية الحسينية   21

 

وضع الكرامات في موضعها

تقدم الحديث عن الكرامات التي وهبها لعباده المصطفين بكونها من صنع الله وانها حالة مؤقتة وليست دائمة، وان لله سُننه في خلقه والتي تحكم الامور جميعا، ففهم هذه الحقائق يقود الى الاعتقادات الصحيحة المنسجمة مع العقل والايمان والتي تتنافى مع الخرافات والاحاديث المكذوبة على النبي واله سواء اكانت بالدس ضمن الاحاديث الصحيحة عنهم او بافتراء الروايات عليهم، وسواء اكان ذلك في كتب الادعية او كتب الاحاديث، فان اغلب الاحاديث الموجودة في هذه الكتب لم تحقق باستثناء بعض الاحاديث الفقهية التي تشتمل على موضوع العبادات والمعاملات، وسواء اكانت المصادر الموجودة قديمة او حديثة او بأسماء الاعلام او غيرهم فأنها تشترك جميعا في هذه الحقيقة، وبالتالي لا يعتبر انتشار الحديث او الكتاب مصدرا يمكن التعويل عليه.

     اما ما ينشر اليوم في وسائل الاتصال الجماعي عبر الانترنيت من الروايات والاحاديث فهو لا يمكن الوثوق به والتعويل عليه الّا يكون صادرا بحق من اهل العلم والمعرفة، علما بان اهل العلم لا يتمثلون باهل العمائم فقط كما يتصور البعض، فان العمامة لا تكسب صاحبها العلم والمعرفة وانما شخصية الانسان وعقله وعلمه هو الذي يعطي للابسها قيمة ومنزلة.

     ولكي يكون القاري على بصيرة من هذه الاحاديث المكذوبة والتي يعاد تدويرها عبر الرسائل الالكترونية ننقل نموذجا منها وهو الحديث المنسوب للأمام موسى الكاظم ع من انه قال: [لا يستغني شيعتنا عن أربع...{منها} وسبحة من طين قبر أبي عبد الله (ع) فيها ثلاث وثلاثون حبة، متى قلبّها ذاكراً لله، كتب الله له بكل حبةٍ أربعين حسنة، وإذا قلبها ساهياً يعبث بها كتب الله له عشرون حسنة أيضاً!]، وفي رواية اخرى: [ان المسبحة التي من طين قبر الحسين ع تسبّح بيد الرجل من غير أن يسبح !].

   وحاشى لله ان يصدر هذا الكلام عن حجة له على العباد، فلا يمكن ان يثيب الله العباد على عبثهم بالسبحة فيكتب له بكل حبة عشرون حسنة، فالله سبحانه لا يثيب العبد على فروضه الواجبة كالصلاة والصوم بأكثر من اسقاط الواجب اذا لم يكن فيها التوجه القلبي الى الله، كما هو واضح في الآيات والروايات كقوله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ)، وفي الحديث عن رسول الله ص انه قال: [لا يقبل الله صلاة عبد لا يحضر قلبه مع بدنه]، وعن امير المؤمنين انه قال: [لا يقومن احدكم في الصلاة متكاسلا ولا ناعسا، ولا يفكّرن في نفسه، فانه بين يدي ربه عز وجل، وانما للعبد من صلاته ما أقبل عليه منها بقلبه]، فان الغفلة عن الصلاة تؤدي الى ضياع الاجر فيها كما في الحديث عن رسول الله ص انه قال: [ان من الصلاة لما يقبل نصفها وثلثها وربعها وخمسها الى العشر، وان منها لما يلف فيضرب بها وجه صاحبها، وانما لك من صلاتك ما اقبلت عليه بقلبك]، وعن الامام الصادق ع قال: [ما لك من صلاتك الا ما أقبلت عليه فيها، فان اوهمها كلها او غفل عن ادائها لفت فضرب بها وجه صاحبها].

   وامثال هذه الاحاديث كثيرة، فكيف بالسبحة والعبث بها!، ثم هل يعقل ان السبحة تسبّح بين يدي المسبّح سواء سبح ام لم يسبح ؟، فما فائدة التسبيح بها اذن مادام الثواب حاصل منها؟ وهل هذا الامر من سنن الله في خلقه في التعامل مع الاشياء؟ فان اولياء الله ع اعظم من ان يتحدثوا بما ينقل عنهم من الافتراءات، ولا يقف هذا الفهم المغلوط عن بركات الامام بالاحاديث المكذوبة كما في الرواية السابقة او التالية المذكورة في الوسائل والمصباح والبحار: (من أن الحور العين إذا أبصرن بواحد من الاملاك يهبط إلى الارض لأمر ما، يستهدين منه السبح والتراب من طين قبر الحسين عليه السلام!)، وانما ينتقل الامر بالكرامات الى الجانب العملي منه في الممارسات الخاطئة فيأكل المريض والممنوع طبيا من اكل الحلويات او الطعام الذي يرفع السكر او الضغط يأكل ما يشاء من الطعام ويعرض حياته للخطر بدعوى انه طعام الحسين! وان البركة فيه ، فلا يؤثر على مرضه اذا ما ذكر اسم الحسين عليه، ثم يعاني بعد ذلك اشد المعاناة والتي قد تعرض حياته للخطر، ثم ما علاقة الحسين ع بذلك ؟ هل هو الذي طبخه بنفسه او ساهم بإعداده ؟ او أمر بأكله ؟ ان امثال هذه التصرفات تدل على الفهم الخاطئ للكرامات والى انتشار الجهل باسم اهل البيت، ومثل هذه الممارسات يرتكبها الكثير ومنهم الذين يكتبون الرسائل الى الائمة في حاجاتهم الشخصية فهل سيخرج الامام من قبره ويقرأ ما فيها ؟ او الذين يلقون اموالهم في حرم الحسين وغيره من المعصومين فهل سيأخذها الامام معه الى قبره ام يعود الى الحياة وينفقها؟ ان هذه الممارسات وغيرها كثير، قد اصبحت للأسف من عادات الناس وطقوسهم في حرم الامام الحسين.

وللحديث تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com