تأملات في القضية الحسينية   15

معرفة مقام الامامة

  من يحضر المجالس الحسينية بصورة منتظمة فانه يسمع عددا من الخطباء او الشعراء يتحدثون فيها عن الامام الحسين ع بصورة عاطفية وكأنهم يتحدث عن قضية مأساوية حدثت لمظلوم في العراق او في بلد من البلدان التي تعيش الظلم والاستبداد، ومن حق المستمع عندئذ ان يقول ان بعض السجناء والمعذبين بيد الطواغيت كان تعذيبهم البدني او النفسي اشد مما حدث للأمام الحسين، فان بعض السجناء قد هتكت اعراض نسائهم من الازواج والاخوات امام اعينهم، وذبح اطفالهم بصورة وحشية امامهم لانتزاع الاعتراف منهم فلماذا هذا الاهتمام بالأمام الحسين!!

   كما ان بعض الخطباء والشعراء يتحدث عن الامام الحسين ع بحديث العاشق والمعشوق فيصف جمال عينه او حاجبيه ووجهه، او جمال العباس واوصافه الرجالية بما يخرج عن الذوق والادب وعن ذكر الحادثة الاليمة في كربلاء ثم يخرجها الاخرين بصور كبيرة تزين المجالس والمساجد مع اقوالهم او مع بعض صور احداث كربلاء في اذهانهم!!

   بل ان بعض الخطباء يبدأ المجلس الحسيني وينهيه بالبكاء والاشجان والدموع والاحزان ولا يفهم المستمع منه شيئا عن اهداف ومقاصد الحسين ع وشهادته بكربلاء فلا يضيف الى فكره ووعيه ودينه شيئا من الكلام في المجلس، هذا اذا لم يكن في حديث المتحدث شطط من الخرافات والاوهام!!

   فهل هذه المجالس وامثالها، هي المجالس التي قال عنها الامام الصادق [رحم الله من احيى امرنا] ؟
لا شك ان المجالس التي اشير اليها هي بعيدة عن احياء قضية الحسين او اي امام اخر، والسبب في ذلك هو الجهل بمنزلة الامامة والدور الذي اعطاه الله لحججه ليقوموا به في الدنيا، ولكي تتضح المسألة بما لا يقبل الشك والتردد نورد بعض احاديث رسول الله والائمة في توضيح ذلك في هذه الحلقة وما يليها من حلقات اخرى.

عن رسول الله (ص) قال:
[انما مثل اهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق]
(اي ان الاهتداء بمنهج اهل البيت واتباع سيرتهم واعمالهم يكون سببا لنجاة المؤمنين في الاخرة من النار كما كانت سفينة نوح نجاة للإنسان في الدنيا من الغرق، فالحب لآل النبي والقرابة النسبية من ال البيت لا تغني عن اصحابها شيئا مالم يسيروا بإرشادهم وهداهم واعمالهم، كما لم تغن قرابة ابن نوح عنه بعدم طاعته لنبي الله ابيه نوح فكان من المغرقين كما بين الله في كتابه بقوله:

   ( وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ، يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ، قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ، قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ، وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ)

وعن امير المؤمنين ع في حديثه عن منزلة آل بيت النبي قال:
[هم موضع سره (اي سر الله، وهو ما اخبر الله به رسوله عن احداث المستقبل الى قيام الساعة، وقد تحدث به النبي بصورة مجملة للناس من على منبره، ثم علمه النبي الى وصيه علي ع مفصلا، ومنه الى اولاده المعصومين )، ولجأ أمره (اي ان اهل البيت المعصومين ع هم الوسيلة للاحتماء بالله وطلب عونه ومساعدته بما خصهم من مكانة ومنزلة في حياتهم وبعد مماتهم)، وعيبة علمه (اي ان ال البيت هم مستودع علم الله بما ورثوه عن علم المصطفى)، وموئل حكمه (اي المرجع في الوصول الى حكم الله بما وهبهم الله من العلم والفضل والامامة)، وكهوف كتبه (اي عندهم العلم الذي انزله الله في كتبه على الانبياء السابقين وهو ما علمه رسول الله لوصيه من بعده، كما في قوله ع: علمني رسول الله الف باب، من كل باب يفتح الف باب)، وجبال دينه (اي بلوغ الائمة ع المنزلة العالية في العلم والعمل والقيام بأمر الله)، بهم اقام انحناء ظهره (اي ظهر الدين، والمراد ان الله سبحانه اذهب الاعوجاج الذي احدثه المنافقون في الدين بواسطة منزلة وعمل اهل البيت وجهادهم في سبيل الله، ومنها يفهم المنزلة الكبيرة لشهادة الائمة ع ودورهم في احياء الدين)،واذهب ارتعاد فرائصه (اي فرائص الدين وهو تشبيه لزوال الخوف عن بقاء الدين ثابتا لا يتغير رغم كيد الكائدين في اطفاء نوره وذلك بما يفعله حجج الله من بقاء الدين وعدم اندراسه

   ومن هنا يعلم الاثر الذي احدثه الامام الحسين ع في ايقاظ الامة على ما طرأ من تبديل لدين الله وتحريفه عما جاء به كتاب الله ورسوله المصطفى بتلك الشهادة المفجعة التي حركت ضمير الامة في الزمن الماضي والحاضر والذي لا يقارن به اي شهيد اخر مهما تعرض للاضطهاد والتعذيب اذ كان في ذلك فوز الشهيد بالجنة لنفسه اما الحسين فهو نجاة للائمة جميعا وهو مصداق الحديث النبوي (حسين مني وانا من حسين)


وللحديث تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com