تأملات في القضية الحسينية    15
 

(حب الله اقوى من كل حب)
 

العلاقة بالحسين (ع) باعتباره حجّة من حجج الله المصطفين والذي تقدم الحديث عن مقامهم ومنزلتهم ينبغي ان تقود الى حب الله، فلم يبلغ الحسين ع هذه المنزلة في القلوب الا من خلال تفانيه في حب الله وادراكه لمنزلة الربوبية وعظمها، ولقد اجاد الشاعر في وصف درجة العطاء في هذه العلاقة فقال:

                ان قلت هاك نفسي خذها قال         لي هي منا فاتنا منك بشيء

فلم يدخر الحسين ع شيئا عزيزا عنده الا وقدّمه لله تعالى راجيا رضاه وفضله، ومن يقرأ دعائه الرائع في عرفة وخاصة القسم الاخير منه والمملوء بالمعاني العرفانية يعلم عندها عمق معرفة الامام بالله تعالى وسعيه الى رضاه، فيعرف عندئذ سر الرفعة والمنزلة التي انزله الله فيها، كما في الفقرة التالية التي تضمنت جزء من الدعاء حيث يقول فيها :

[الهي كَيفَ يُستَـدَلُّ عَلَيـكَ بِمَـن هُـوَ فـي وُجُـودِهِ مُفتَقِرٌ إِلَيكَ].

فالمتأمل في خلق الله للإنسان، كيف خلقه وكيف أخرجه للدنيا، وكيف يديم حيـاته ووجـوده، وكيف يدبر أمره، فإنه يـجد الله حاضراً في كل شـيء، فالإنسان بذاته لا يدبر شيئا من أمره، فهو لا يتحكم في أجزاء جسمه الداخلية، واجهزته الباطنية من حركة القلب، ودوران الدم، وضخ الكلية، وعمل الاوردة والأعصاب والأنسجة والخلايا وملايين الأجزاء الاخرى في جسمه، ولا يتحكم في قوانيـن بنائـه النفسـي ومـؤثـراتـه الداخليـة والانفعالات المؤثرة فيه، ولا يـعلم شيئاً عن الروح وقوانيـنها واسرارها، ولا يستطيع أن يتجاوز قضاء الله وقدره في مسيرته الدنيوية وما فيها من مؤثرات خارجية او داخلية تزيد في عمره او تنقصه او تزيح الاقدار او تبدلها فكل ذلك يعود الى الله.

أما خارج جسمه ووجوده في هذا الكون الواسع الذي لا إرادة له فيه فهو أضعف وأعجز من أن يؤثر فيه شيئا، فهو ليس له علم بما حوله من فضاء واسع وكون عجيب الا بمقدار الحبة من الرمل او القطرة من البحر، بل حتى الذي يعلمه لا يستطيع التدخل فيه فهو عاجز عن منع الاعاصير العاصفة او السونامي او ما يعرف بالمد البحري الجارف او منع الزلازل المهلكة او الحرائق في الغابات المدمرة للبيئة والطبيعة، فيعلم يقينا أنه لا يستطيع الحياة في هذه الدنيا لولا تدبير الله وإرادته، فهو كله نقص وضعف مهما بلغت قوته العلمية أو البدنية او العقلية،

وكذلك بقية مخلوقات الله فهي جميعها مفتقرة الى تدبير الله في حياتها دائماً، فهل هناك دليل أقوى من هذا الدليل الذي يثبت للإنسان في كل لحظة من انه محتاج لرعاية الله وتدبيره؟
ثم يقول الامام في تتمة دعائه:

[أَيَـكُونُ لِغَيرِكَ مِنَ الظُّهُورِ مَا لَيـسَ لَكَ، حَتّى يَكُونَ هُوَ المُظهِرَ لَك؟].

فالشمس والقمر وبقية المخلوقات والتي تدل بمجموعها على وجود خالق مدبر عظيم انما هي في جوهر وجودها وتكوينها تمثل دليلا مستقلا على عظمة الخالق وتدبيره، فكل ما في الكون يشهد بعظمة الله وعلمه وقدرته وكماله، وفيها يظهر وجود الله جلياً لكل ذي عقل ولب، وما اجمل ما قاله الشاعر عن ذلك:
وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحدُ.
ثم يتم الامام دعائه قائلا :

[مَتى غِبتَ حَتّى تَحتَاجَ إِلى دَلِيلٍ يَدُلُ عَلَيكَ؟].

فلا يوجد شيء في الدنيا إلّا وفيه دليـل علـى وجـود الله سبحانه من الإنسان والـحيوان والطبيـعة وكل شيء في هذا الوجود، لا في عظمة خلقه فحسب بـل في إدامة وجوده وحركته وحياته وموته، فكل شيء يدل على الله وعلى فعله المتواصل في حياة الانسان وفي كل اجزاء الكون بكل ما فيه من أشياء، فيتم قائلا:

[وَمَتى بَعُدتَ حَتّى تَكُونَ الآثَارُ هِيَ الَّتي تُوصِلُ إِلَيكَ؟].

والمراد بالآثار هي صنائع الله والمخلوقات التي تدل على وجود الله، فالله سبحانه ظاهر في كل شيء وهو أقرب للإنسان من حبل الوريد تراه القلوب ولا تراه العيون ويدركه الإنسان بقلبه وعقله، ولذا يختم الفقرة من الدعاء بقوله:

[عَمِيَتْ عَينٌ لَا تَرَاكَ عَلَيها رَقيِبا].

وهي عيون الغارقين في سكر الدنيا أو الغافلين عن ملاحظة وجود الله واطلاعه على العباد ورؤيته لأفعالهم وسماعه لأقوالهم وهيمنته على أمورهم وأحوالهم.

 [وَخَسِـرَتْ صَفقَةُ عَبدٍ لَمْ تَجعَلْ لَهُ مِنْ حُبِّكَ نَصِيباً].

فمهما ربح الإنسان من مكاسب الدنيا فهو خاسـر اذا لم تكن ثمرة سعيه الفوز برضا الله ومحبته فالدنيا محدودة زائلة.

فهذه المعاني التي اوردها الامام الحسين في بعض دعائه ينبغي ان تكون لمحبيه خاصة وللناس عامة منهجا في علاقتهم مع الله، فالحب اساسا ينبغي ان يكون للخالق العظيم وحده، وكل حب اخر ينبغي يكون فرعا من الحب لله اي في طوله ولا يتعارض معه، ولا يبلغ منزلته، ولا يكون الا امتثالا لأمره، فحب النبي وحب الائمة وحب كل شيء أمر الله بحبه، كالوالدين والازواج والاولاد والارحام والصالحين لا ينبغي ان يقارن بحب الله ولا يبلغ مستواه كما في اوضح في كتابه بقوله :[وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لله].

ولذا فمن المخجل لمن يدعي المحبة لأهل البيت ان يقسم بالله كذبا ولكنه يمتنع عن القسم بأحد الائمة او بالعباس ع كذبا! ومن المؤسف ان يرعى الموالي حرمة عاشوراء ويحضر المجالس والمساجد ويساهم في فعالياتها ولا يرعى حرمة الخالق العظيم وطلب رضاه في هذه الايام وفي غيرها! فمن لا يعرف الله فهو لا يعرف الحسين ولا ينال شفاعته.


وللبحث تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com