تأملات في القضية الحسينية   14

 

التعقل وترك الغلو

   ينزع البعض في القضايا الحسينية او المذهبية عموما الى اضفاء كثير من المبالغات عند الحديث عن المذهب او رجالاته او ما حدث في كربلاء من وصف للمعركة وتفاصيلها، فالمعركة تمت في ساعات في اليوم العاشر وبظروفها الطبيعية من وجود قلة من المؤمنين في وسط كثرة من المنافقين وطلاب الدنيا .

    ولم يكن فيها شيئا من المعاجز التي يخالف الله فيها سننه في الارض، من اجل امتحان الانسان لتعين موقعه ودرجته في الاخرة، فهكذا كانت سننه من عدم خرق النواميس الكونية عند قتل انبيائه واوليائه من قبل قتل الحسين ع ومن بعده، فلو شاء الله لما قُتل ابيه امير المؤمنين وسيد الموحدين وهو افضل منه كما تنص الروايات، ولا قتل الائمة من ذريته من بعده، مع ان لكل منهم فضله ومنزلته ودوره العظيم كحجة لله في الارض في اقامة دين الله وأمره من جريان الدنيا الى مسيرتها النهائية، وظهور المهدي ع ليملأ الارض قسطا وعدلا شاملا في العالم كله ومزيحا للظلم والظالمين والجور والجائرين، وذلك ايضا يتم عبر سنن الله التي تحدث بها في كتابه الكريم ومن قبله ما انزل من الكتب الصحيحة لعباده.

   ولذا فان كثيرا من مجريات الحرب في كربلاء والتي انتهت خلال ساعات قد حدثت ضمن سنن الله ونواميسه التي تحكم الارض، وما يروى من مبالغات واحاديث في كتب المقاتل لا صحة لها وانما هي اضافات من المؤلفين والخطباء المتحدثين عن كربلاء، بل حتى ان السيد الخوئي اعلى الله مقامه والذي كان يعتقد لمدة طويلة بصحة المصادر التي نقل عنها كتاب جامع الروايات قد رفع يده عنه بعد التحقيق المستفيض فيه وصرح في درسه ومجلسه بذلك، علما بان الامور لا ينبغي ان تأخذ من غير المعصومين ع والذين يمثلون حجج الله والادلاء على كتابه وصراطه، وقد ورد النهي في كتاب الله عن الغلو وضرورة التعقل لكتابه وسننه في آيات عدة منها قوله تعالى:
[ سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا ]، وقوله:[كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ]

وقوله:     [ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ]

   كما ورد النهي عن الغلو في احاديث الائمة ع ونصحهم لاتباعهم وشيعتهم بالابتعاد عن ذلك.

فعن الامام الباقر ع قال:
[يا معشر الشيعة - شيعة آل محمد - كونوا النمرقة الوسطى، يرجع إليكم الغالي، ويلحق بكم التالي، فقال له رجل من الأنصار ما الغالي ؟ قال: قوم يقولون فينا مالا نقوله في أنفسنا، فليس اولئك منا ولسنا منهم، قال: فما التالي، قال: المرتاد يريد الخير، يبلغه الخير يؤجر عليه]

 والنُمرَقة (بضم النون فسكون فضم ففتح):هي الوسادة الوسطية التي يستند اليها الجالس حيث شبّه الامام الباقر آل البيت ع بها، للاستناد إليهم في أمور الدين كما يستند إلى الوسادة لراحة الظهر واطمئنان الاعضاء، ووصفها بالوسطى لاتصال سائر النمارق بها، فكأن الكل يعتمد عليها إما مباشرة أو بواسطة، فآل البيت ع هم الصـراط الوسط المستقيم الذي ينبغي ان يكون الدليل والميزان للعباد ليلحق بهم من قصّر، ويرجع إليهم من تجاوز وكان من المغالين في شأنهم.

وعن الامام الصادق ع قال:                                                                                         [يا معشر الشيعة إنكم قد نُسِبتم إلينا، كونوا لنا زينا، ولا تكونوا علينا شينا]

اي لا تكونوا عيبا علينا واساءة لنا بما تنشروه من كلام يعممه الناس ويقولون هذا قول الصادق وائمة اهل البيت ع
وعن الامام الصادق ع في حديث اخر قال:
[رحم الله عبدا حببنا إلى الناس، ولا يبغضنا إليهم، وأيم الله لو يرون محاسن كلامنا لكانوا أعز، وما استطاع أحد أن يتعلق عليهم بشئ]

   اي لو علموا الاحاديث الصحيحة الخالية من الغلو لكانوا من المعتزين بها او اعز منكم في حملها ولما استطاع احد ان يتناولهم بنقص او اساءة.

وعن الامام الصادق ع قال:                                                                                       [رحم الله عبدا استجر مودة الناس إلى نفسه وإلينا، بأن يظهر لهم ما يعرفون ويكف عنهم ما ينكرون]

   وختام الموضوع في ترك الغلو ما ورد عن الامام الهادي حيث قال:
[اتقوا الله وكونوا زينا ولا تكونوا شينا، جروا إلينا كل مودة، وادفعوا عنا كل قبيح]
 

وللحديث تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com