تأملات في القضية الحسينية   13

 

خطبة العقيلة زينب في الشام

حينما أُدخل ركب الاسارى والسبايا لمجلس يزيد وكان جالسا على السرير وعلى رأسه تاج مكلل بالدر والياقوت، فدعا يزيد بقضيب من خيزران وجعل ينكت به ثنايا الحسين ع شامتا ويتمثل بأبيات ابن الزبعرى فقال:

ليت أشياخي ببدر شهدوا * جزع الخزرج من وقع الاسل

فأهلوا واستهلوا فرحا *    ثم قالوا يا يزيد لا تشل

   فقام له رجل يدعى الاسلمي وقال له : ويحك يا يزيد أتنكت بقضيبك ثغر الحسين بن فاطمة؟ أشهد لقد رأيت النبي يرشف ثناياه وثنايا أخيه الحسن ويقول: "أنتما سيدا شباب أهل الجنة فقتل الله قاتلكما ولعنه وأعد له جهنم وساءت مصيرا"، فغضب يزيد وأمر بإخراجه وضرب عنقه.

فقامت زينب بنت علي بن أبي طالب عليه السلام فقالت:
[الحمد لله رب العالمين وصلى الله على رسوله وآله أجمعين، صدق الله كذلك يقول:﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَىٰ أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الارض وآفاق السماء، فأصبحنا نساق كما تساق الاسارى أن بنا على الله هوانا وبك عليه كرامة ؟ وأن ذلك لعظم خطرك عنده ؟ فشمخت بأنفك، ونظرت في عطفك، جذلان مسرورا، حين رأيت الدنيا لك مستوسقة والامور متسقة، وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا؟ فمهلا مهلا أنسيت قول الله تعالى:﴿ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لانفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين﴾، أمن العدل يا ابن الطلقاء تخديرك حرائرك وإمائك وسوقك بنات رسول الله سبايا قد هتكت ستورهن وأبديت وجوههن تحدو بهن الاعداء من بلد إلى بلد ويستشرفهن أهل المناهل والمناقل، ويتصفح وجوههن القريب والبعيد، والدني والشريف، ليس معهن من رجالهن ولي، ولا من حماتهن حمي ؟ وكيف يرتجى مراقبة من لفظ فوه أكباد الازكياء، ونبت لحمه بدماء الشهداء ؟ وكيف يستبطئ في بغضنا أهل البيت من نظر إلينا بالشنف والشنآن، والاحن والاضغان ؟ ثم تقول غير متأثم ولا مستعظم: (وأهلوا واستهلوا فرحا.... ثم قالوا يا يزيد لا تشل)، منتحيا على ثنايا أبي عبد الله سيد شباب أهل الجنة، تنكتها بمخصرتك؟ وكيف لا تقول ذلك وقد نكأت القرحة واستأصلت الشأفة، بإراقتك دماء ذرية محمد صلى الله عليه وآله ونجوم الارض من آل عبد المطلب، وتهتف بأشياخك زعمت أنك تناديهم ! فلتردنّ وشيكا موردهم، ولتودن أنك شللت وبكمت، ولم يكن قلت ما قلت وفعلت ما فعلت، "اللهم خذ بحقنا، وانتقم من ظالمنا، وأحلل غضبك بمن سفك دماءنا وقتل حماتنا"، فو الله ما فريت إلا جلدك، ولا جززت إلا لحمك، ولتردن على رسول الله بما تحملت من سفك دماء ذريته، وانتهكت من حرمته في عترته ولحمته، حيث يجمع الله شملهم ويلم شعثهم، ويأخذ بحقهم، ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون، حسبك بالله حاكما، وبمحمد خصيما وبجبرئيل ظهيرا، وسيعلم من سوى لك ومكنك من رقاب المسلمين، بئس للظالمين بدلا، وأيكم شر مكانا وأضعف جندا، ولئن جرت علي الدواهي مخاطبتك إني لاستصغر قدرك، وأستعظم تقريعك وأستكبر توبيخك، لكن العيون عبرى، والصدور حرى، ألا فالعجب كل العجب لقتل حزب الله النجباء بحزب الشيطان الطلقاء، فهذه الايدي تنطف من دمائنا والافواه تتحلب من لحومنا، وتلك الجثث الطواهر الزواكي تنتابها العواسل وتعفوها امهات الفراعل، ولئن اتخذتنا مغنما لتجدنا وشيكا مغرما، حين لا تجد إلا ما قدمت وما ربك بظلام للعبيد، فألى الله المشتكى، وعليه المعوّل، فكد كيدك واسع سعيك، وناصب جهدك، فو الله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا تدرك أمدنا، ولا ترحض عنك عارها، وهل رأيك إلا فند، وأيامك إلا عدد، وجمعك إلا بدد، يوم يناد المناد ألا لعنة الله على الظالمين، فالحمد لله الذي ختم لأولنا بالسعادة ولآخرنا بالشهادة والرحمة، ونسأل الله أن يكمل لهم الثواب، ويوجب لهم المزيد ويحسن علينا الخلافة، إنه رحيم ودود، وحسبنا الله ونعم الوكيل]. 

   وبعد فهذه هي العقيلة زينب التي جمعت بين الاسم والفعل اذ ان معنى كلمة العقيلة يدل على العظمة والحشمة والجلال والوقار فهل يصح ان ينسب لها بعد هذه الشجاعة في الكلام والحكمة والعقل والعمق في المحاججة ليزيد ما ينقص من كرامتها ودينها بالقول انها نطحت راسها بعمود الخيمة واسالت دمها فهي اول المتطبرين على الامام الحسين؟
لقد ان الاوان لاهل الدين ان يقتدوا بزينب والحسين والسجاد في رفض الباطل وقول كلمة الحق امام من يستهدف افراغ المسيرة الحسينية من اهدافها الحقيقية التي سعى الامام الحسين لتحقيقها ففي ذلك عز الدنيا وسعادة الاخرة 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ)


وللحديث تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com