تأملات في القضية الحسينية   11
 

 

المجالس الحسينية


  
من الامور المهمة التي لا يختلف عليها اثنان ان مسألة التثقيف للناس في المجالس الحسينية ينبغي ان تكون بأحياء النهضة الحسينية بروحها وجوهرها ومحتواها الذي قام لأجله الامام الحسين ع والذي اكده الامام الصادق ع بقوله [رحم الله من احيا امرنا]، وهو ما يعني احياء القيم والمفاهيم والمعاني التي استشهد من اجلها الامام الحسين اساسا اضافة الى توضيح المعاناة العظيمة التي تعرض لها هو واهل بيته من الظلم والاذى والتحمل للعطش وجراحات الحرب والم معاناة النساء والاطفال لهمجية ووحشية المحاربين لهم وعدم الاستسلام في محاربتهم حتى الشهادة.

   ويفترض في ثقافة المجالس ان تكون معتمدة على الروايات الصحيحة والفهم السليم لقيم الدين واصوله فتكون خالية من الخرافات ومن الاحاديث المكذوبة على الائمة ع وخصوصا فيما يتعلق بالأمام الحسين ع والتي من شانها ان تدفع الناس في اتجاهات تسهم في طمس القضية الحسينية واطفاء وهج نورها واهدافها السامية وتحويلها من ثورة على الظلم والظالمين لأقامة دين الله الى اجتماعات تقليدية او فعاليات طقوسية تشتمل على لبس السواد واللطم والبكاء وضرب الرؤوس او الصدور وتوزيع الطعام في نهاية المجلس ثم ينتهي كل شيء في نهاية العزاء، كما يذهب البعض الى ما هو اسوء حيث يقوم بضرب الراس بالقامات والظهور بالزناجيل المشفرة وادماء البدن او تعذيبه بمختلف الوسائل والبدع الجديدة.

   الا ان الاهم والاخطر من ممارسة البدع هو نشر الروايات والمفاهيم المكذوبة على الامام الحسين على لسان الخطباء والشعراء بقصد اثارة الناس وابكائهم حتى اصبحت هذه الروايات والمقولات الهزيلة والمخالفة للعقل يتوارثها الخطباء فيما بينهم رغم مخالفتها للمنطق والعقل سيما وان هناك من يعيش على القضية الحسينية ويبني ثروته ومجده باسمهم وبالحديث عنهم.

   ان الذي يميز دين الاسلام عن غيره من الاديان المحرفة عن اصولها الصحيحة هو ان ديننا لا يشتمل على ما يخالف العقل في اصوله ومفاهيمه حتى وان صعب فهم بعض الآيات او الروايات على عامة الناس الا انه لا يخالف العقل ابدا، اذ ان الدين هو من خالق الانسان وواهب العقل له وحاشى لله ان يقول شيئا خلاف العقل وهو الخالق العظيم.

    ولكي يحيط الناس علما بالمصدر الذي يرجع اليه الخطباء في احاديثهم عن واقعة مقتل الامام الحسين وصحبه فان احاديثهم غالبا ما تكون مستمدة من كتب المقاتل علما بان هذه الكتب هي مؤلفة من ناس ليسوا معصومين، وانهم جاءوا من بعد انتهاء الواقعة بزمن طويل، وان الاختلافات بين كتاب واخر واضحة للعيان بشكل جلي، والاهم من ذلك كله ان جميع هذه الكتب ليس لها قيمة علمية لفقدانها السند، ولا يمكن التعويل حتى على روايات المعصومين التي فيها، علاوة على ان الكثير من الشعر الذي يستشهد به الخطيب والذي اصبح جزء من روايات المقتل واحاديثه انما هو من اضافات المتحدث وخاصة ما ينسب للشعراء من بعد الواقعة وشعراء المرحلة الحاضرة او ما قبلها، بل وان وبعضهم لا يستحق الذكر لقصيدته لانها من شاعر فاسق مات على الخمر والزنا، اضافة الى اعتماد كثير القصص والروايات على الاحلام التي لا تشكل حجة على الانسان ذاته او على غيره، بل وحتى لو كانت تلك الاحلام منسوبة لأهل العلم فانهم ليسوا معصومين.

   ان اشاعة المفاهيم الخاطئة وخاصة بنقلها عبر الانترنيت الى الاخرين سيما تلك الاحاديث الفكرية التي تفرّغ المفاهيم والقضايا الدينية والحسينية من محتواها الاصيل الى محتوى جانبي هزيل لا يتناسب مع عظمة القضية والتضحيات التي بذلت من اجلها سابقا ولاحقا، انما هو امر يعرّض صاحبه الى الحساب يوم القيامة، فان الذي يعمل من دون علم وهدى انما هو يفسد اكثر مما يصلح فيكون سببا في انتكاسة الفكر وحملته وانتشار الجهل والخرافة في عقول من يقبله، ولذا كان التحذير الالهي بترك الاحاديث فيما يحاسب عليه الانسان يوم القيامة شديدا كما في قوله تعالى:
[وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ]
[إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللهِ عَظِيمٌ]


وللحديث تتمة

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com