تأملات في القضية الحسينية   10

 

قيام المهدي ثمرة لإدامة النهضة الحسينية

    من سنن الله في خلق الانسان هو ايجاد التكامل والنضج البشري عبر الازمان والاعوام حتى يصل لمراحل الكمال، والذي اشارت اليه آيات كثيرة كقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ، ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ، ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ، ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا، ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ، ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا، وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ، وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُّسَمًّى، وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ )،

   فالبشرية في معرفتها وادراكها للحقائق تحتاج الى مدة من الزمن لكي تتعلم الاشياء وخاصة في موارد العلم والحكمة، وهكذا كان تعامل الله معها في ارسال الانبياء وانزال الشرائع والكتب بصورة تدريجية بما يناسب مرحلتها العقلية والفكرية، وهو السر الذي يكمن في تأخر ظهور المهدي المنتظر ليملأ الارض قسطا وعدلا بعد ما ملئت ظلما وجورا في هذه الفترة الاستثنائية من تاريخ البشر ليحقق وعد الله الذي وعد به عباده في كتابه بقوله: (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ )،

   اذ بمقدار وعي البشرية لحاجتها الى الله في ارسال حججه وكتبه تكون نجاتهم من ظلمات الدنيا وطواغيتها بتعجيل فرج الله لهم في قيام الامام المهدي بدوره في قيادة الارض نحو السلام والازدهار، فالناس شركاء في اختيار الزمان المناسب لقيام حجة الله بدوره المرتقب (إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ)، واذا كان من سنن الله ان الامور تحتاج الى زمان لنضجها كما ينضج اللحم على النار، فان العقول كذلك تحتاج الى فترة اطول من المعاناة حتى تنضج افكارها ومعرفتها لواقعها واستحالة تدبير امرها من دون هدى الله وعونه، فتكون عند ذاك مؤهلة لقيام حكومة العدل الالهي العالمية بحكم وليه وحجته المهدي المنتظر، ولذا يعتبر النضج البشري اهم عامل في رقي الانسان للاستفادة من الدنيا ولتحصيل الاخرة المطمئنة الامنة.

   ومن هنا تتضح الابعاد والمراحل التي مرت بها القضية الحسينية في نفوس الناس، فبعد طمس بيعة الغدير لأمير المؤمنين ع والسعي في محو ذكرها رغم الآيات والاحاديث والشواهد الكثيرة التي تثبت امامته وحجيته من بعد وفاة الرسول، لم يكن باستطاعة الامام الحسين في حينها ان يذكر دوره كحجة لله وانما اكتفى باحاديثه وخطاباته من انه احق بالأمر لقرابته من رسول كما كان الائمة من بعده يركّزون على هذا الجانب المأساوي والعاطفي في قضيته لعدم استيعاب الامة لتلك الحقيقة في وسط الاجواء المعادية لأهل البيت، كما كان الحال مع امير المؤمنين في زمان حكومته فلم يعلن عن امامته وبيعة الناس له في الغدير الا في بعض المناسبات الخاصة التي اقام فيها الحجة على حدوث ذلك الامر بشهادة من حضر في الغدير وسمع من رسول الله الولاية لعلي من بعده، واستمر هذا الحال في التركيز على الجانب العاطفي في قضية الحسين في زمن الائمة من بعده بما يناسب فهم الناس وادراكهم للعصمة الربانية التي اختص بها انبيائه وحججه كما في قوله تعالى (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰ ) حتى بلغ الوعي بالأمة من بعد المعاناة الطويلة والاضطهاد المتواصل في المذهب وفي الاحتفاء بالقضية الحسينية التي تلهب الانتماء لأهل البيت الى حريتها النسبية التي تسير فيها الجماهير مطمئنة من اذى القوى الحاكمة وبطشها كما كان في الازمان الماضية،

   وهذا التطور النوعي الذي حصل في القضية الحسينية والذي كان بفضل الجانب العاطفي واثره على الامة والذي جعل الناس يدركون عظمة التضحية التي قام بها الامام الحسين ع وخاصة الامهات والاباء الثكالى الذين فقدوا احبابهم وأعزاءهم في سجون الطواغيت بسبب سيرهم على خط الحسين فيما مضى وفي المسيرات والانفجارات التي استهدفت من يحي الشعائر الحسينية اليوم، وهو يتطلب اليوم من المؤمنين ذوي البصيرة ومن الحسينين المخلصين لخط الحسين الانتقال بالأمة الى مرحلة اعلى من الفهم وهي تحقيق الاهداف التي سعى اليها الامام الحسين كأمام معصوم وحجة لله لا كشهيد قام بعملية فدائية، ومن هنا يكون الاحتفاء بالمناسبات الحسينية باعثا لمعرفة منزلة اهل البيت ومنزلة حجج الله ودورهم في قيادة الامة في المسيرة الالهية التي وضعها الله للدنيا والتي تنتهي بقيام المهدي ع ولذا فان دوام النهضة الحسينية في القلوب والاعمال بأهدافها الحسينية انما يسهم في تعجيل فرج الله وهو ما عبرت عنه العقيلة زينب بقولها:
[ فو الله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا]


وللحديث تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com