حقيقة الدنيا    9

 

عن امير المؤمنين ع قال:
[الدنيا لمن تركها والآخرة لمن طلبها]

  يوضح هذا الحديث صفة اخرى من صفات الدنيا وهي انها تتعب من طلبها وسعى اليها، كما انها تنقاد لمن تركها واعرض عنها وهو ما بينه الحديث النبوي الشريف عن الدنيا.


فعن رسول الله (ص) قال:
[لما خلق الله الدنيا أمرها بطاعته فأطاعت ربها، فقال لها: خالفي من طلبك، ووافقي من خالفك، فهي على ما عهد إليها الله وطبعها عليه ]

   وذلك لان الدنيا انما خُلِقت لأجل امتحان الانسان ومعرفة مدى صلاحيته لاستحقاق الجنة او النار بعد اقامة الحجة عليه من الله، فلابد ان تكون دارا للامتحان وليس للجزاء، وهو ما اوضحه الحديث النبوي التالي:  

عن رسول (ص) قال :
[إن الله جل جلاله أوحى إلى الدنيا أن أتعبي من خدمك، وأخدمي من رفضك]

  فمن رغب في الدنيا فلن ينال اهدافه فيها بسهولة ويسر، ولن ينال الراحة فيها والاستقرار ودوام الحال، بل لابد من تعريضه للامتحان والبلاء حيث يكون حب الدنيا وطلب الراحة فيها هي مادة اختباره وامتحانه، ولابد ان تجري عليه قوانين الدنيا بكل تقلباتها، اما من اعرض عنها فان اختباره فيها سيكون في مجال اخر من مجالات الدنيا اذ لابد من الامتحان قبل الاخرة، وقد بين امير المؤمنين ع هذه الصفة للدنيا فقال:

[ من ساعى الدنيا فاتته، من قعد عن الدنيا طلبته ].
اي من سعى الى الدنيا لن يستطع ان يلحق بها او يحقق ما يريده منها، فكلما نال منها شيئا تجددت له اشياء غيرها، فاذا به يلهث ساعيا العمر كله لتحقيق ما يأمل حتى يدركه الموت، ولذا من الخير للعاقل اللبيب ان لا يعطي الدنيا الاهتمام بأكثر من قدرها الذي يتناسب مع الهدف الذي خُلقت من اجله، وفي هذا العمر القصير فيها، وهو ما ورد في عدد من احاديث امير المؤمنين ع منبها لحقيقة الدنيا حيث جاء فيها:

عن امير المؤمنين ع قال:
[من سلا عن الدنيا أتته راغمة]
اي من نسي او تناسى متطلبات الدنيا ولم تأخذ حيزا كبيرا في قلبه ولم يشغل عمره في تحصيلها فان الله ييسر اموره الدنيوية ويقضي حاجاته فيها.

وعن امير المؤمنين ع قال:
[ من خدم الدنيا استخدمته، ومن خدم الله سبحانه خدمته ].
فمن سعى الى الدنيا اصبح خادما لها لشدة انشغالاته بها ولم تترك له راحة بدنية او فكرية او نفسية، اما من سعى الى الله وجعل حبه في قلبه فان الله يسخر الدنيا لخدمته وقضاء حوائجه فيها.

وعن امير المؤمنين ع قال:
[ إنك إن أقبلت على الدنيا أدبرت، إنك إن أدبرت عن الدنيا أقبلت]
اي ان العلاقة مع حب الدنيا والسعي لتحصيلها هي علاقة عكسية في نتائجها، ولذا ينبغي ان يكون السعي هو لتحصيل الاخرة، وهو ما ضرب له امير المؤمنين مثلا رائعا فقال:

[مثل الدنيا كظلك إن وقفت وقف، وإن طلبته بعد]
اي ان الانسان لا يستطيع ان يحقق ما يريده في الدنيا، فكلما كثر سعيه لها كلما ازدادت بعدا عنه وازداد تعبه وعنائه فيها ودخل في متاهاتها ودواماتها وامتحاناتها الصعبة، وكلما توقف الانسان عن كثرة مطالبه وحاجاته وتوقعاته من الدنيا تيسرت اموره فيها، وازداد توفيقه في سعيه للأخرة والبصيرة فيها ( لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ).


وللحديث تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com