حقيقة الدنيا    8
 

عن الامام الصادق ع قال:
[إن استطعت أن لا تنال من الدنيا شيئا تُسأل عنه غدا فافعل ].

   تقدم الحديث عن بعض خصائص الدنيا والتي حذّر الله عباده منها بقوله:
﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللهِ الْغَرُور﴾،

 فما ينال الانسان في الدنيا من متاع ولذائذ عابرة فهو الى زوال وانتهاء كما ذكره في كتابه بقوله: ﴿فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾.

   فلا يبقى للإنسان غير العمل الصالح الذي يكون بنيّة الطاعة لله والابتغاء لوجهه الكريم، كما بينه الله في كتابه الكريم بقوله: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾
ولذا نبهت كثير من الآيات بصورة مستقلة او عبر قصص الانبياء الى هذه الحقيقة كما في قصة نبي الله موسى مع فرعون حينما ظهر الحق وآمن السحرة بما جاء به موسى ع فهددهم فرعون بالموت قائلا :﴿ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ؟ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ! فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ، {اي بقطع اليد اليمنى مع الرجل اليسرى وبالعكس لزيادة العذاب والالم}، وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ، وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَىٰ ﴾

  فكان جواب السحرة له:﴿ قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا، فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ اي ان الحياة الدنيا منتهية على كل حال وزائلة، وما بعدها هو المهم وهي الحياة الخالدة،
وقد اوضح الله سبحانه ان هذا الايثار للدنيا على الاخرة لا يخلو من نزول العقاب على الكافرين والعاصين في الدنيا والاخرة كما بين في كتابه بقوله:
﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾،

   ولذا كانت الآيات والاحاديث عن المعصومين تنبه الى حقيقة الدنيا لئلا يضل الانسان بسلوك الطريق الخطأ في تعمير الدنيا غافلا عن الاخرة كما في قوله تعالى:

﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾،

فقد يقضي الانسان شطرا من عمره في تعمير دنياه لأجل الانتفاع من جهده فيما بعد وكأنه قد ضمن عمره فاذا بالموت يأخذه فجأة، فلا هو استثمر دنياه ولا اخرته، وقد يصرف وقته وجهده في احلى اوقات شبابه وقوته في الاعمال السياسية او الفكرية او الفنية من اجل اهداف دنيوية كان يرجو بها الخير للأخرين من تحرير للإنسان من قبضة الدول المستعمرة او تقديم الخدمات الابداعية في ميدان العلم او الانسانية ولكنه يكتشف بعد مدة، سواء في حياته او بعد موته، ان جهده كان ضائعا على صعيد الاخرة، فلا يكون له نصيب فيها، فما كان من الاعمال لأجل لله فان جزائه على الله، وما كان للدنيا فهو حظه من الدنيا كما قال الله في كتابه:                                                                                                               (مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ) .

ومن هنا يتضح قيمة ما قاله امير المؤمنين ع حيث قال:
[ألا حر يدع هذه اللماظة لأهلها ؟ إنه ليس لأنفسكم ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها إلا بها]،

واللماضة هي بقية للطعام في الفم وقد شبه (ع) الدنيا بهذه اللماضة التي لا قيمة لها عند مقارنتها بالحياة الاخروية الخالدة وما تشتمل عليه من سعادة دائمة.


وللحديث تتمة

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com