حقيقة الدنيا    7
 

عن امير المؤمنين ع قال:

[فَاحْذَرُوا الدُّنْيَا فَإِنَّهَا غَرَّارَةٌ خَدُوعٌ، مُعْطِيَةٌ مَنُوعٌ، مُلْبِسَةٌ نَزُوعٌ ، لاَ يَدُومُ رَخَاؤُهَا، وَلاَ يَنْقَضِي عَنَاؤُهَا، وَلاَ يَرْكُدُ بَلاَؤُهَا].

هذا الحديث يتضمن حقائق عن الدنيا تستدعي من العاقل ان يلتفت لها ليتمكن من التعامل معها بما يكون فيه نجاته في الاخرة.
فهي

 اولا غَرَّارَةٌ خَدُوع :  اي تغر الانسان بشهواتها وعاجل لذتها وجمال زينتها الظاهرية وما تشتمل عليه من قضايا يزينها الشيطان للإنسان ليكون فيها من الهالكين، فقد يدخل المرء في الحرام بشهوة للجنس او المال او السلطة او غير ذلك من الموارد التي تهواها النفس وتكون فيها سوء العاقبة في الاخرة، بل وحتى في الموارد الشخصية من المأكل والمشرب والملبس والحديث والسمع والبصر فقد تؤدي شهوة النفس للدنيا الى مالا يحمد عقباه من النتائج الدنيوية والاخروية، وهو ما حذر منه الله تعالى بقوله: ( وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا)

ثانيا: ان الدنيا مُعْطِيَةٌ مَنُوع ، فقد تعطي الانسان ما يريده منها دون تعب وعناء احيانا، وقد تمنعه في احيان اخر عما يرجوه منها رغم الجهد والمشقة في سعيه للحصول عليه، وفي موارد الحياة كثير من الامثلة على ذلك تتحدث عنها قصص النجاح والاخفاق في تحقيقها.

ثالثا: ان الدنيا مُلْبِسَةٌ نَزُوعٌ ، فقد تُلبس الانسان لباس العافية والثروة والجاه والسلطنة والقوة والجمال وبقية الزينة من الدنيا، إلاّ انها ما ألبست احد شيئا من لباسها الا نزعته منه فيما بعد سواء في الحياة ام بعد الممات كما قال الله في كتابه (وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ ).

رابعا: ان الدنيا لاَ يَدُومُ رَخَاؤُهَا، فهي تتقلب في حالاتها كالدولاب الدائر الذي يتقلب بين الصعود والهبوط، فكم من غني ابتدأ حياته فقيرا ولكن الله وهبه الغنى والثروة بعد ذلك، وكم من غني انتهى به الحال الى الفقر والذلة والمسكنة فمن طبيعة الدنيا انها لا تستقر على حال واحد (اللهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ).


خامسا: ان الدنيا لاَ يَنْقَضِي عَنَاؤُهَا، بمعنى ان العناء والتعب هو جزء من الدنيا ومن الامتحان فيها سواء في حالات الفرح او الحزن او الخير او الشر كما في قوله تعالى (وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا).

سادسا: ان الدنيا لا يركد او يسكن بلاؤها، اي ان البلاء متواصل في الدنيا وان تغيرت اشكاله وانواعه وحالاته (وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ).

وهو ما بينه الله في كتابه الكريم بقوله:
(اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ)،

اي ان اهتمامات الناس بزينة الدنيا من التفاخر والزيادة في الاموال والاولاد ووسائل العيش المرفه انما هو في حقيقته لهو لإشغاله عن الاستعداد للأخرة، ولعب لسرعة انتهائه عند موت الانسان، ثم ضرب الله مثلا لذلك بالمطر الذي ينبت النبات وينمي الزرع والثمر الذي يعجب الزراع نباته الناشئ عنه ويروق للكافرين وينسيهم ذكر الله ولكنه سرعان ما يزول نفعه وبهجته حيث يهيج اي ييبس فتصفر اوراقه وتتساقط لتكون حطاما او فتاتا تذروه الرياح فيضمحل ويزول، ولذا قال الله في تتمة الاية: (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) .

وللحديث تتمة

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com