حقيقة الدنيا    6


عن امير المؤمنين ع قال:

[ألا إن الدنيا دار لا يسلم منها إلا بالزهد فيها، ولا ينجى بشيء كان لها، ابتلي الناس بها فتنة، فما أخذوه منها لها اخرجوا منه وحوسبوا عليه، وما أخذوه منها لغيرها قدموا عليه وأقاموا فيه]
   يوضح هذا الحديث الرائع طبيعة الدنيا من كونها فتنة للإنسان غرارة في اولها مهلكة في اخرها، فما يأخذه الانسان منها لأجلها مهما كانت اللذة والسعادة المؤقتة التي فيه، فانه سوف يخرج منه ويتركه على ترابها عند موته بل ويحاسب عليه بعد موته! 

   فالدنيا خلقت لامتحان الانسان وتحديد موقعه الاخروي باختياره وارادته (خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)، ولذا فقد تعددت الآيات التي تنبه الانسان الى حقيقة الدنيا وما ينبغي ان يعمل فيها ومن ذلك قوله تعالى:

(مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا، نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ، أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ)
   فالذين يريدون الدنيا يكلهم الله الى اعمالهم فيها فينالون النتائج التي يستحقونها بأعمالهم فيها ولكنهم خاسرون في الاخرة، لان الجزاء مصاحب للعمل وان الاعمال بالنيات ولكل أمرئ ما نوى، ولذا من اراد الدنيا للدنيا فقد بطل عمله للأخرة، وليس له فيها نصيب الا النار لعدم قيامه بما اوجبه الله عليه بعد تمام الحجة من الله عليه.
ومن ذلك قوله تعالى :

(الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَٰذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ)
فصفة الحياة الدنيا انها تغر الانسان بزينتها فتجعل الدين عند البعض لهوا ولعبا اما استهزاء به او استغلالا له في خداع البسطاء والسذج، ولذا فقد حذر الله من ذلك فقال في كتابه الكريم بقوله:

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُم، مَّتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)، فما يناله الانسان في الدنيا انما يناله على حساب اخرته فسرعان ما تنتهي الدنيا ويزول متاعها ولذائذها ليبدأ بعدها حساب الاخرة على كل صغيرة وكبيرة(وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا)

ولذا فقد حذر الله عباده بقوله:
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللهِ الْغَرُورُ) وفي ذلك تنبيه لطبيعة الحياة الدنيا بانها قادرة على التزين لأنسان بشهواتها ولذائذها العاجلة ليستفيد منها الشيطان الغرور في غر الانسان وابعاده عن طاعة ربه وشتان ما بين من يتمتع في الدنيا بمتاع زائل ومن يتمتع في الاخرة بعطاء وجزاء من رب كريم، (أَفَمَن وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ، كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ)، حيث بين سبحانه ان الحياة الاخروية هي الحياة الحقة التي تعدل الحياتين فقال:
(وَمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)


وللحديث تتمة

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com