حقيقة الدنيا     5


عن رسول الله (ص) قال:
[اتركوا الدنيا لأهلها فإنه من أخذ منها فوق ما يكفيه أخذ من حتفه وهو لا يشعر]

   تقدم الحديث عن هدف الدنيا وبعض صفاتها التي بينها الامام الهادي ع بقوله: [الدنيا سوق ربح فيها قوم وخسر آخرون]، فمن يحسن التجارة مع الله فانه يفوز بحسن العاقبة كما في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ )

   فمن كانت نيته في الدنيا تحصيل الاخرة فان عليه ان لا يغفل عن حقيقتها من كونها ليست الا وسيلة لبلوغ الاخرة السعيدة فقد اوضح الله سبحانه في آيات عدة طبيعة الدنيا من انها متاع زائل فقال تعالى:

(وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ أَفَلَا تَعْقِلُونَ)
اي ان ما يحصله الانسان في الحياة الدنيا من اشياء للدنيا تعتبر زينة للدنيا الا انها في الحقيقة متاع زائل ليس له قيمة حقيقية، وضرب لها مثلا في كتابه الكريم فقال:

(إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ، حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ، وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا، أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ، كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)                                                        اي إن صفة الحياة الدنيا كماء المطر النازل من السماء الذي له قابلية الاحياء والانبات لمختلف النباتات حيث تنموا وتتكاثر ويشتبك بعضها ببعض مما يأكله الناس ومما تأكله الانعام، بمعنى ان الدنيا فيها امكانية اجتماع السيء والحسن والخير والشر، حتى إذا أخذت الأرض زخرفها او بهجتها وازَّيَّنت بالزهر والثمر، وظن أهلها أنهم قادرون عليها من تحصيل ثمارها والقدرة على فعل ما يريدون فيها، أتاها أمرنا او قضاؤنا من العذاب ليلا أو نهارا، فجعلناها كالزرع المحصود بالمناجل فكأنها لم تكن بالأمس عامرة، وهو بيان الى عدم بقاء الدنيا على حال واحدة والى سرعة انتهائها، فلا ينبغي للإنسان ان يفرح بما يناله من الدنيا، فما فيها لا يدوم على حال واحد وهو الى زوال في النهاية، وفي ذلك آيات لقوم يتفكرون، ولذا بين سبحانه في كتابه الكريم حقيقة الدنيا فقال عنها:
(وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ)
اي ان حقيقة الحياة الدنيا هي كاللعب واللهو لسرعة انتهائها وتمامها وللغفلة فيها عن الحياة الاخرة ولذا من الاجدى للعاقل اللبيب ان لا يكثر منها كما ورد في الحديث النبوي الشريف في اول البحث بقوله:

[اتركوا الدنيا لأهلها فإنه من أخذ منها فوق ما يكفيه أخذ من حتفه وهو لا يشعر]

وللحديث تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com