حقيقة الدنيا    3

عن امير المؤمنين ع قال:
[من أبصر بها بصرته، ومن أبصر إليها أعمته]

   بعد الحديث عن دور الدنيا واثرها في تعين محل الانسان في الاخرة يوضح امير المؤمنين النظرة الصحيحة الى الدنيا، فمن اراد ان يعتبر بما يحدث فيها من احداث سياسية او اجتماعية تتعلق بالأمم او الافراد وما ينالهم فيها من تغيرات تتراوح بين الصعود والهبوط فانه يتمكن من فهم حقائقها والطبيعة التي خلقها الله عليها وتكون له البصيرة في عواقبها وفي التعامل معها، اما من نظر اليها نظر الطامع فيها والمتهالك عليها فانه ينساق مع الهوى والشهوات والطمع في زينتها فيخوض فيها مع الخائضين واللاهين حيث تنتهي به الى اسوء العواقب في الدنيا والاخرة

وهو ما عبر عنه امير المؤمنين ع في حديث اخر حيث قال:
[إنما الدنيا منتهى بصر الأعمى، لا يبصر مما وراءها شيئا، والبصير ينفذها بصره ويعلم أن الدار وراءها، فالبصير منها شاخص، والأعمى إليها شاخص، والبصير منها متزود، والأعمى لها متزود]

   فالذي يعمى عن رؤية الاخرة ولا يلتفت الى الحقائق التي تخبره عن طبيعة الدنيا ومحدوديتها وسرعة زوالها فيرى فيها غايته واماله فأنها تقوده الى السقوط في غمراتها واهوائها ثم يجد ان ما اصابه فيها هو ما اصاب الذين من قبله فاذا بسنوات العمر تنقضي وتزول فيها قدراته وامكانياته حتى يعود الى حالات الضعف الاولى بل اشد منها كما في قوله تعالى:

( وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ) وفي قوله تعالى
(وَاللهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ)

   ولذا يكون حال البصير بأحوالها وتقلباتها منها شاخص، والشاخص هو الذي يكون بصره ثابتا الى الشيء بمعنى ان نظره الى الدنيا هو الحذر منها ومن الوقوع في كمائنها ومزالقها التي تقود الى الخسران والى دخول جهنم فيتزود منها ما ينفعه لأخرته، بينما يكون نظر الطامع في الدنيا شاخصا الى زينتها والتزود منها لتحقيق شهواته ورغباته فيها باي وسيلة كانت، حتى اذ اقتربت نهايته وانتقل الى العالم الاخر ادرك ما كان فيه من الطيش والغفلة كما في قوله تعالى:

(وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ)

   فالله سبحانه لا يمهل الظالمين ولكنه جعل الجزاء في الاخرة كما في قوله تعالى: ﴿ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون﴾ فهو لا يترك حساب الظالمين على أفعالهم ولابد ان ينتصف للمظلومين منهم ولكن الحساب والعقاب النهائي انما يكون في الاخرة كما قال في كتابه ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ، مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ ﴾،

    فيوم القيامة هو اليوم الذي تكون فيه الأبصار شاخصة عن مواضعها لا تغمض لهول ما ترى في ذلك اليوم فتبقى أبصارهم مفتوحة لا تنطبق للتحير والرعب ﴿مهطعين﴾ أي مسرعين للحساب، ﴿مقنعي رؤوسهم﴾ أي رافعي رؤوسهم إلى السماء حتى لا يرى الرجل مكان قدمه من شدة رفع الرأس وذلك من هول يوم القيامة، ﴿لا يرتد إليهم طرفهم﴾ أي لا ترجع إليهم أعينهم ولا يطبقونها ولا يغمضونها وإنما هو نظر دائم، ﴿وأفئدتهم هواء﴾ أي تكون قلوبهم خالية من كل شيء فزعا وخوفا لشدة ما يرون من الأهوال وقيل في تفسير ذلك ان أفئدتهم تكون زائلة عن مواضعها قد ارتفعت إلى حلوقهم لا تخرج ولا تعود إلى أماكنها بمنزلة الشيء الذاهب في جهات مختلفة المتردد في الهواء، وهو ما يوضح حال البصير والاعمى في قول امير المؤمنين :[إنما الدنيا منتهى بصر الأعمى، لا يبصر مما وراءها شيئا، والبصير ينفذها بصره ويعلم أن الدار وراءها، فالبصير منها شاخص، والأعمى إليها شاخص، والبصير منها متزود، والأعمى لها متزود]


وللحديث تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com