حقيقة الدنيا     2
 

   تقدم الحديث عن ان الدنيا بكل ما فيها انما خلقت لأجل امتحان الانسان لتحديد مكانه الاخروي ودرجته فيها، ولهذا قال عنها امير المؤمنين ع:

[إنما سميت الدنيا دنيا لأنها أدنى من كل شيء، وسميت الآخرة آخرة لأن فيها الجزاء والثواب]،

اي ان الدنيا بذاتها ليس لها قيمة، وما يسعى الأنسان ليحققه فيها من اشياء لأجلها من الزينة او المتعة او السرور او التحصيل لدرجاتها فان ذلك يزول مع زوال الدنيا والارتحال عنها، فكأن سعيه فيها كان عبثا وجهده كان فيها ضائعا وهو ما حذر منه امير المؤمنين في حديث اخر حيث قال:

[بئست الدار لمن لم يتهيأها ولم يكن فيها على وجل]

فقيمة الدنيا هو ان يستفيد منها الانسان لتعمير اخرته وعدم الانشغال بها عن الاخرة وهو ما اوضحه الله في كتابه بقوله:
(وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)،

   فما لم يلتزم الانسان بهذه الوصايا الالهية الاربع فان عمره في خسران وضياع مهما نال في الدنيا من مغانم او امتيازات، فالذي يكون فيه الرصيد الاخروي من الدنيا هو الايمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والصبر في الثبات عليه.

   ولذا ورد عن رسول الله واهل بيته عددا من الاحاديث التي تنبه الى حقيقة الدنيا والاستفادة منها للفوز في الاخرة.

فعن رسول الله (ص) قال:
[فليتزود العبد من دنياه لآخرته، ومن حياته لموته، ومن شبابه لهرمه، فإن الدنيا خلقت لكم وأنتم خلقتم للآخرة]

اي ان زاد الاخرة ينبغي ان يؤخذ من الدنيا فلا رجعة بعد الموت اليها، فمقدار ما يناله الانسان منها يكون هو رصيده الاخروي الذي يحدد موقعه منها ودرجته فيها سواء في الجنة او النار كما في قوله تعالى:
(وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ)
(وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ)

   كما ان ما ينفع من التواجد في الدنيا هو العمر الذي يقضيه الانسان خلال مدة حياته فيها، فالحياة في الدنيا هي مادة الاختبار ومحل الابتلاء في جميع حالاتها وظروفها، فكما يتزود العاقل من فترة شبابه وقوته لفترة شيخوخته وضعفه فان عليه ان لا يغفل عن التزود لأخرته فهي الاصل في خلق الانسان واليها يكون مآله والذي يؤكد ما مضى من ضرورة فهم الدنيا واثرها على الاخرة والتعامل معها بما يلزم (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ).

وللحديث تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com