حقيقة الدنيا    17

 

في تتمة حديث امير المؤمنين في شرح طبيعة الدنيا والتحذير من الركون اليها بعد ان اوضح بعض صفاتها وخصائصها من تقلب احوالها وقصر العمر فيها قال:

أَفَهذِهِ تُؤْثِرُونَ؟ أَمْ إِلَيْهَا تَطْمَئِنُّونَ؟ أَمْ عَلَيْهَا تَحْرِصُونَ؟ فَبِئْسَتِ الدَّارُ لَمَنْ لَمْ يَتَّهِمْهَا، وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا عَلَى وَجَل مِنْهَا! (اي ان الذين حلت الدنيا في اعينهم ولم يلتفتوا الى عمرها القصير وتبدل احوالها واقدارها انما هم على خطر عظيم مما سيحل بهم في المستقبل سواء في الدنيا او في الاخرة والتي هي دار القرار او البقاء الثابت)،

فَاعْلَمُوا ـ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ـ بِأَنَّكُمْ تَارِكُوهَا وَظَاعِنُونَ عَنْهَا (فلا يوجد انسان على وجه الارض الا ويعلم ان الموت هو نهاية الحياة وانه لابد من الرحيل عنها الى بطن الارض وما ينكشف فيه من العالم الجديد كانكشاف الدنيا للمولود الجديد حينما يخرج من بطن امه حيث تتغير الشروط كليا عما كانت عليه في السابق)،

وَاتَّعِظُوا فِيهَا بِالَّذِينَ [قَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً]، (فهكذا جرى الحال مع الطواغيت والمتكبرين الذين عاشوا الدنيا وكأنهم خالدين فيها وفعلوا ما يحلوا لهم الا نهايتهم في الحياة كان هو الموت لينتقلوا بعدها الى ظلمات البرزخ ثم العذاب في الاخرة ففي ذلك موعظة وعبرة)،

حُمِلُوا إِلَى قُبُورِهِمْ فَلاَ يُدْعَوْنَ رُكْبَاناً، (فحملوا على الاخشاب الى محل دفنهم ولا يطلق عليهم لقب رُكْبان وهو جمع راكب، وذلك لان الراكب هو من يكون مختاراً وله التصرّف في مركوبه بينما الميت لا حياة له ولا حول له يسيرون به المشيعون الى حيث دفنه)،

وَأُنْزِلُوا الاْجْدَاثَ (اي القبور)، فَلاَ يُدْعَوْنَ ضِيفَانا ً(لأن الضيف له الخيرة في ما يفعله بينما الميت ينزله الناس الى محل دفنه وليس له ارادة في ذلك )،

وَجُعِلَ لَهُمْ مِنَ الصَّفِيحِ أَجْنَانٌ (والصّفِيح هو وَجْهُ كل شيء عريض، والمراد به وجه الارض، واجنان جمع جنن وهو القبر، والمقصود بالعبارة انه جعل قد جعلت لهم القبور منازل بعد موتهم)،

وَمِنَ التُّرَابِ أَكْفَانٌ، (حيث بمرر الزمان يزول ويندثر ما يحيط بالميت بعد دفنه حتى القماش الذي كان لهم كفن فلا يبقى غير التراب)،

وَمِنَ الرُّفَاتِ (اي العظام النخرة المحطمة) جِيرَانٌ، فَهُمْ جِيرَةٌ لاَ يُجِيبُونَ دَاعِياً، وَلاَ يَمْنَعُونَ ضَيْماً، وَلاَ يُبَالُونَ مَنْدَبَةً (اي لا توجد علاقة بينهم ولا يقدم اي منهم عونا للأخر)،

إِنْ جِيدُوا (اي امطروا او اصابهم المطر) لَمْ يَفْرَحُوا، وَإِنْ قُحِطُوا (اي اصابهم القحط) لَمْ يَقْنَطُوا (فأحداث الدنيا لم تعد تعني لهم شيئا لا في خيرها ولا في شرها بعد رحيلهم عنها)،

جَمِيعٌ وَهُمْ آحَادٌ، (فالقبور هي كثيرة بجموعها الا ان كل من فيها هو بوحده وحاله )،

وَجِيرَةٌ وَهُمْ أَبْعَادٌ (فهم متجاورون في الظاهر الا انه لا علاقة لكل منهم بالأخر)،

مُتَدَانُونَ لاَ يَتَزَاوَرُونَ، وَقَرِيبُونَ لاَ يَتَقَارَبُونَ، حُلَمَاءُ قَدْ ذَهَبَتْ أَضْغَانُهُمْ (اي احقادهم بخروجهم عن الدنيا)،

وَجُهَلاءُ قَدْ مَاتَتْ أَحْقَادُهُمْ، (اذ بعد تركهم الدنيا اصبح لكل همه فقط ولا يبالي بمن سواه)،

لاَ يُخْشَى فَجْعُهُم، وَلاَ يُرْجَى دَفْعُهُمْ، اسْتَبْدَلُوا بِظَهْرِ الاْرْضِ بَطْناً، وَبِالسَّعَةِ ضِيقاً، وَبِالاْهْلِ غُرْبَةً، وَبِالنُّورِ ظُلْمَةً (فان احوال القبر وما فيه من اهوال هو غير احوال الدنيا فقد ذهب الاهل والاقربون واستبدلت المنازل بضيق القبور وظلمتها)

فَجَاؤُوهَا كَمَا فَارَقُوهَا، حُفَاةً عُرَاةً، قَدْ ظَعَنُوا عَنْهَا بِأَعْمَالِهِمْ (اي قد رحلوا عن الدنيا بأعمالهم فقط فهي التي سيكون عليها الحساب يوم القيامة)،

إِلَى الْحَيَاةِ الْدَّائِمَةِ وَالدَّارِ الْبَاقِيَةِ، كَمَا قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ: (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْق نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ)

والحديث تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com