حقيقة الدنيا     16

 

في تتمة حديث امير المؤمنين ع في وصفه الدنيا والتحذير من لهوها ومشاغلها قال:

مَنْ أَقَلَّ مِنْهَا اسْتَكْثَرَ مِمَّا يُؤْمِنُهُ،(اي ان الاقلال مما يحوزه الانسان في الحياة الدنيا هو امان للإنسان من سوء الحساب في الاخرة فكل شيء عليه حساب وما يتركه من تبعات بعده)،

وَمَنِ اسْتَكْثَرَ مِنْهَا اسْتَكْثَرَ مِمَّا يوبِقُهُ (اي ان الكثرة من زينة الدنيا هو اكثار مما يهلك الانسان في الاخرة فزينة الدنيا تلهي عن ذكر الله وعن الاستعداد للأخرة)،

وَزَالَ عَمَّا قَلِيل عَنْهُ.(ولن يدوم له ما هو فيه من السعة والملك والعافية والنعم الالهية الاخرى فكل شيء في الدنيا الى زوال).

كُمْ مِنْ وَاثِق بِهَا قَدْ فَجَعَتْهُ، وَذِي طُمَأْنِينَة إِلَيْهَا قَدْ صَرَعَتْهُ، وَذِي أُبَّهَة (اي عظمة) قَدْ جَعَلَتْهُ حَقِيراً، وَذِي نَخْوَة (اي افتخار) قَدْ رَدَّتْهُ ذَلِيلاً!

سُلْطَانُهَا دُوَّلٌ (اي متحول من حال الى حال فبينما يصبح الانسان حاكما تخضع له الرقاب اذا به بعد مدة يصبح اسيرا في السجن او شريدا مطاردا او قتيلا في مزابل المدينة، وبينما هو يعيش في غنى ورفاهية اذا به يصبح فقيرا جائعا، وهكذا الحال في العافية والامن والسلامة)،

وَعَيْشُهَا رَنِقٌ (اي كَدِر لا يصفو او يروق على حال)،

وَعَذْبُهَا أُجَاجٌ (اي ما كان فيها عذبا سائغا يتبدل الى شدة الملوحة او المرارة)،

وَحُلْوُهَا صَبِر (والصبر هو عُصارة الشجر المرّ فما كان في الدنيا حلوا يتبدل بمرور الزمان)،

وَغِذَاؤُهَا سِمَامٌ (جمع سم وهو اذا ما خالط المزاج أفسده وينتهي بموت صاحبه)،

وَأَسْبَابُهَا رِمَامٌ (رِمام: جمع رُمّة بالضم للراء: وهي القطعة البالية من الحبل، بمعنى ان الوسائل التي يعتمد عليها الانسان في الدنيا ليس لها قوة ولا امان في الاخرة )،

حَيُّهَا بِعَرَضِ مَوْت ( فالحي في الدنيا هو في كل لحظة معرّض للموت والفناء من حيث يدري او لا يدري فالموت يأتي من دون مقدمات)،

وَصَحِيحُهَا بَعَرَضِ سُقْم (اي ان السالم والمعافى فيها هو في كل وقت في معرض المرض وزوال العافية)،

مُلْكُهَا مَسْلُوبٌ (اي لا دوام للملك فيها)،

وَعَزِيزُهَا مَغْلُوبٌ (ولا دوام لحال الانسان فقد يتبدل حاله وتزول اسباب قوته وعزته)،

وَمَوْفُورُهَا مَنْكُوبٌ (اي من امتلك في الدنيا بأكثر من حاجته فانه يصاب بالنكبة او المصيبة لعدم دوام الحال فيها)،

وَجَارُهَا مَحْرُوبٌ (اي من جاورها وطال به العمر لحقت به الكوارث في فقدان الاحبة وفقدان العافية والسلامة)

 أَلَسْتُمْ فِي مَسَاكِنِ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَطْوَلَ أَعْمَاراً، وَأَبْقَى آثَاراً، وَأَبْعَدَ آمَالاً، وَأَعَدَّ عَدِيداً، وَأَكْثَفَ جُنُوداً،(اي كانت لهم كل وسائل القوة والسلطة والقدرة الدنيوية)،

تَعَبَّدُوا لِلدُّنْيَا أَيَّ تَعَبُّد، وَآثَرُوهَا أَيَّ إِيثَار،

ثُمَّ ظَعنوا (اي رحلوا) عَنْهَا بَغَيْرِ زَاد مُبَلِّغ (اي الزاد المبلغ بهم الى نهاية سفرهم الى الاخرة في امن وامان )،

وَلاَ ظَهْر قَاطِع (اي لم يركبوا الراحلة القوية التي تقطع بهم الطريق الى مقصدهم من دون ان يصيبها الموت في الطريق وينقطع بهم الوصول الى مقصدهم، فهذه هي حال الدنيا وطبيعتها فلابد من مجيء الموت)،

فَهَلْ بَلَغَكُمْ أَنَّ الدُّنْيَا سَخَتْ لَهُمْ نَفْساً بِفِدْيَة (اي هل سمعتم ان الدنيا قدمت لهم الفدية لحمايتهم من نزول الموت؟)

أَوْ أَعَانَتْهُمْ بِمَعُونَة؟ أَوْ أَحْسَنَتْ لَهُمْ صُحْبَةً؟

بَلْ أَرْهَقَتْهُمْ بَالْفَوَادِحِ (اي المصائب الثقيلة)، وَأوْهَنَتْهُمْ بِالْقَوَارِعِ (اي المحن والدواهي)، وَضَعْضَعَتْهُمْ (اي زعزعتهم وارهقتهم) بِالنَّوَائِبِ،

وَعَفَّرَتْهُمْ لِلْمَنَاخِرَ (اي غمرتهم بالتراب الى مناخرهم بمعنى غمرهم الموت حتى اصبحوا تحت الثرى)،

وَوَطِئَتْهُمْ بَالْمَنَاسِمِ (جمع مِنْسَمْ، وهو مقدّم خُفّ البعير، أو الخُفّ نفسه، بمعنى اصبحوا جزء من تراب الارض كحال الاموات السابقين تطؤهم اقدام البشر والدواب)،

وَأَعَانَتْ عَلَيْهِمْ رَيْبَ الْمَنُونِ (اي اسلمتهم في النهاية الى الموت )،

فَقَدْ رَأَيْتُمْ تَنَكُّرَهَا لِمَنْ دَانَ لَهَا (اي خضع لها)، وَآثَرَهَا وَأَخْلَدَ إِلَيْهَا (اي ركن اليها وكأنها باقية للابد)،

حِينَ ظَعَنُوا عَنْهَا لَفِرَاقِ الاْبَدِ.(اي لم تقدم لهم الدنيا اي مساعدة عندما رحلوا عنها عند الموت الى الاخرة وفارقوها الى الابد ولم تعنهم بشيء لأخرتهم)،

هَلْ زَوَّدَتْهُمْ إِلاَّ السَّغَبَ؟ (اي الجوع بمعنى لم تزودهم بالزاد الذي ينفع الانسان في اخرته)،

أَوْ أَحَلَّتْهُمْ إِلاَّ الضَّنْكَ؟ (اي الضيق وذلك بعد نزولهم في ضيق القبر)،

أوْ نَوَّرَتْ لَهُمْ إِلاَّ الظُّلْمَةَ؟ (بمعنى لم تنفعهم في ظلمة القبر بما ينير لهم مكانهم المظلم)،

أَوْ أَعْقَبَتْهُمْ إِلاَّ النَّدَامَةَ؟ (فلم تعقب الانسان وقت موتهم ونزوله في قبره غير الندم والاسف على ضياع العمر في تحصيلها)،

وللحديث تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com