حقيقة الدنيا    15

 

عن امير المؤمنين ع في وصفه الدنيا والتحذير من لهوها ومشاغلها قال:

أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أُحَذِّرُكُمُ الدُّنْيَا، فَإِنَّهَا حُلْوَةٌ خَضِرِةٌ، (اي ان من طبيعة الدنيا ان تحتفظ برونقها الزاهر الجميل ولم تيبس كما ييبس النبات الذي يوشك ان يموت)،

حُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ، وَتَحَبَّبَتْ بِالْعَاجِلَةِ، (فمن خصائص الدنيا ان الشهوات المادية تحيطها وتضغط على اهلها في واقعهم المعاش)،

وَرَاقَتْ بِالْقَلِيلِ (اي ان للدنيا رونقها وجاذبيتها حتى بتحصيل القليل منها)،

وَتَحَلَّتْ بِالاْمَالِ، ( فالأمل بتحصيل مكاسب الدنيا ونيل المقاصد فيها يكسبها حلاوة ولذة )،

وَتَزَيَّنَتْ بِالْغُرُورِ،(فهي تغري الانسان بالمغريات والآمال وكأنه يعيش فيها ابدا، فلا يلتفت الى موت الاحبة بل موت من يعرفهم في الحياة)،

لاَ تَدُومُ حَبْرَتُهَا (فسرورها ونعمتها لا تدوم الا فترة قصيرة سواء في العمر الدنيوي او في مجموع الحياة الدنيا بالنسبة الى الحياة الخالدة في الاخرة )،

وَلاَ تُؤْمَنُ فَجْعَتُهَا (فلا يدري المرء متى يأتيه البلاء والالم ومن اي باب واي طريق )،

غَرَّارَةٌ ضَرَّارَةٌ (فهي تغرّ الانسان وتضره بعاقبتها المؤلمة عندما تنكشف له الحقائق في الاخرة)،

حَائِلَةٌ (اي متغيرة من حال لأخر سواء في الاحوال الشخصية لساكنها في قدراته وامكانياته في فترات عمره، اوفي تبدل احوالها العامة وتغيراتها التي تحيط بالعالم كله)،

زَائِلَة ٌ( فطبيعة الحياة الدنيا هي عدم البقاء حيث ينتهي ويزول فيها كل شيء في النهاية)،

نَافِدَةٌ (اي فانية يفنى كل شيء فيها ولا يبقى غير وجه ذا الجلال والاكرام)،

بَائِدَةٌ (اي منهية لعمر الانسان مهما طال امده)،

أَكَّالَةٌ غَوَّالَةٌ (اي مهلكة لا تبقي شيئا في الحياة الا ويصيبه التلف والدمار)،

لاَ تَعْدُوـ إِذَا تَنَاهَتْ إِلَى أُمْنِيَّةِ أَهْلِ الرَّغْبَةِ فِيهَا والرضى بِهَا ـ أَنْ تَكُونَ كَمَا قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ وتعالى:[ كَمَاء أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّماَءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الاْرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء مُقْتَدِراً]، (والهشيم هو النبت اليابس المكسّر الذي تحمله الريح، بمعنى ان الدنيا حتى لو تحققت فيها امال البعض فإنها سرعان ما تذبل وتزول زهرتها وجمالها كما هو الحال عند بلوغ النبات ذروته وجماله ثم يصفّر وييبس بعد الحيوية والجمال ليكون حطاما تذروه الرياح)،

ولَمْ يَكُنِ امْرُؤٌ مِنْهَا فِي حَبْرَة (اي في سرور)

إِلاَّ أَعْقَبَتْهُ بَعْدَهَا عَبْرَةً (والعبرة هي الدمعة قبل ان تفيض، بمعنى ان الدنيا متبدلة الاحوال فكما اضحكت اهلها في زمن فإنها ستبكيهم في زمن اخر)،

وَلَمْ يَلْقَ منْ سَرَّائِهَا بَطْناً ( وهو كناية عن اقبال الدنيا على الانسان في حال او فترة من العمر)

إِلاَّ مَنَحَتْهُ مِنْ ضَرَّائِهَا ظَهْراً (وهو كناية عن ادبار الدنيا بعد اقبالها بما تشتهي النفوس فيها)،

وَلَمْ تَطُلَّهُ فِيهَا دِيمَةُ رَخَاء (والطلّ هو المطر الخفيف الذي لا يؤذي، والديمة هي السحابة من المطر الذي يدوم في سكون بلا رعد ولا برق مما يؤدي الى الخير والرخاء او السعة)،

إِلاَّ هَتَنَتْ (اي انصبت) عَلَيهِ مُزْنَةُ بَلاَء (وهو المطر الشديد الذي فيه العواصف والرعد والبرق والصواعق مما يؤدي الى الكوارث ، والمراد هو ان رخاء الدنيا وخيرها لا يدوم الا فترة قصيرة فسرعان ما يأتي البلاء من حيث يحتسب الانسان او لا يحتسب)،

وَحَرِيٌّ إِذَا أَصْبَحَتْ لَهُ مُنْتَصِرَةً أَنْ تُمْسِيَ لَهُ مُتَنَكِّرَةً، (اي ان من طبيعة الدنيا انها لا تدوم على حال واحد فاذا كانت بجانب الانسان في وقت ما فإنها تكون عكس ذلك في وقت اخر)،

وَإِنْ جَانِبٌ مِنْهَا اعْذَوْذَبَ وَاحْلَوْلَى، أَمَرَّ مِنْهَا جَانِبٌ فَأَوْبَى (اي صار كثير الوباء، وهو ما يعني ان خيرها ومسراتها وافراحها لا تدوم في كل الاوقات ومن كل الجوانب فسرعان ما يحل منها الاذى والبلاء بعد الراحة والسرور)،

لاَ يَنَالُ امْرُؤٌ مِنْ غَضَارَتِهَا (اي من نعمها وسعتها)

رَغَبا ً(اي ما يرغب فيه من الامور)، إِلاَّ أَرْهَقَتْهُ (اي اتعبته والحقت به)

مِنْ نَوَائِبِهَا تَعَباً، (فطبيعة الدنيا ان لا تدوم فيها الراحة الا فترة مؤقتة ليحل محلها العناء والتعب)،

وَلاَ يُمْسِي مِنْهَا فِي جَنَاحِ أَمْن، إِلاَّ أَصْبَحَ عَلَى قَوَادِمِ خَوْف! (والقوادم هي الريش الذي في مقدمة الطائر الذي يستشعر به الخوف بمعنى ان الامن في الدنيا لا يدوم وان المخاوف المختلفة تحيط بها من كل جانب فتزيل امنها)،

غَرَّارَةٌ، غُرُورٌ مَا فِيهَا (اي تغر الانسان بزينتها ومتاعها العاجل وتخدعه بالأماني والآمال الكاذبة)،

فَانِيَةٌ فَان مَنْ عَلَيْهَا (اي ليس للدنيا دوام حيث يفنى ويزول فيها كل شيء)،

لاَ خَيْرَ في شَيْء مِنْ أَزْوَادِهَا إِلاَّ التَّقْوَى، (فلا خير فيما يستزيده الانسان من الدنيا الا ما يبقى له في الاخرة وهو ما اوضحه الله في كتابه بقوله فتزودوا فان خير الزاد التقوى )،

وللحديث تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com