حقيقة الدنيا    14

 

عن امير المؤمنين في بيان حقيقة الدنيا قال:

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ أَدْبَرَتْ، وَآذَنَتْ بِوَدَاع

(اي اعلمت من يسكن فيها بأنهم سيغادرونها عاجلا او اجلا ففي كل يوم خبر عن موت احد من المعارف اضافة الى ما تعمله الايام في الانسان من الهرم والضعف والمرض وتلاشي القوى)،

وَإِنَّ الاْخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ، وَأَشْرَفَتْ بِاطِّلاَع

(فانتقال الانسان من الدنيا الى الاخرة يتم من دون مقدمات او خبر مسبق حيث يجد اعماله حاضرة فيما يعامل به في البرزخ والحساب الاخروي)،

أَلاَ وَإِنَّ اليَوْمَ المِضْمار

(اي ان الدنيا كالمضمار او الموضع والزمن الذي تضمّر فيه الخيل استعدادا للسباق، فالتضمير هو لإحداث الضمور وهو الهزال وخفة اللحم، وإنما يفعل ذلك بالخيل لتخف في الجري يوم السباق وتضمير الخيل هو بربطها وتكثير علفها وماؤها حتى تسمن، ثم يُقلل علفها وماؤها وتجري في الميدان حتى تهزل، ثم تُرَدّ إلى القوت السابق في مدة من الزمن تقدر بأربعين يوما، والمراد من التعبير بالمضمار هو لزوم استعداد المؤمن في الدنيا قبل الانتقال الى الاخرة من زيادة الحسنات والتكفير عن السيئات ليفوز في الدار الاخرة، بمعنى ان حقيقة الدنيا هي الاستعداد للحياة الاخرة)

وَغَداً السِّبَاقَ، وَالسَّبَقَةُ الجَنَّةُ

(اي ان الهدف الذي ينبغي ان يصل اليه الناس بعد موتهم هو الوصول الى جنة الخلد)،

وَالغَايَةُ النَّارُ

(فالنهاية التي يصلها من لا يدخل الجنة هو البقاء الابدي في النار وما فيه من عذاب دائم بسبب ما ارتكبه من الاعمال السيئة في الحياة الدنيا)، ولذا ينبه الامام ع الى ذلك فيقول:)،

أَفَلاَ تَائِبٌ مِنْ خَطِيئَتِهِ قَبْلَ مَنِيَّتِهِ؟ أَلاَ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ قَبْلَ يَوْمِ بُؤْسِهِ؟

(وهو اليوم الذي تشتد فيه الحاجة وسوء الحال عند نزول الانسان في قبره حيث تنقطع الاعمال ويبدأ الحساب)،

أَلاَ وَإِنَّكُمْ في أَيَّامِ أَمَل مِنْ وَرَائِهِ أَجَلٌ

(فمن طبيعة الدنيا انها تتزين فيها الآمال والرغبات الانسانية الا ان الاجل او الموت يعدو خلف الانسان لينهي حياته في اي لحظة يشاء الله)،

فَمَنْ عَمِلَ في أَيَّامِ أَمَلهِ قَبْلَ حُضُورِ أَجَلِهِ فَقَدْ نَفَعَهُ عَمَلُهُ، وَلَمْ يَضرُرْهُ أَجَلُهُ، وَمَنْ قَصَّرَ في أَيَّامِ أَمَلِهِ قَبْلَ حُضُورِ أَجَلِهِ، فَقَدْ خَسِرَ عَمَلَهُ، وَضَرَّهُ أَجَلُهُ

(اي ضاع عمله وسعيه للدنيا ففي عالم الاخرة بعد الموت تزول كل الاهتمامات الدنيوية)،

أَلاَ فَاعْمَلُوا فِي الرَّغْبَةِ كَمَا تَعْمَلُونَ فِي الرَّهْبَةِ

(اذ ان على المؤمن المبادرة الى طاعة الله في الاوقات كلها فلا ينبغي ان تكون العبادة والطاعة في وقت الرهبة او الخوف بينما يعرض عن ذلك في اوقات الراحة والطمأنينة)

أَلا َوَإِنِّي لَمْ أَرَ كَالجَنَّةِ نَامَ طٓالِبُها، وَلاَ كَالنَّارِ نَامَ هَارِبُهَا،

(فرغم يقين المسلمين جميعا بانه بعد الموت تاتي الاخرة والتي ليس فيها الا الجنة او النار تراهم يتغافلون عن ذلك)،

أَلاَ وَإنَّهُ مَنْ لاَ يَنْفَعُهُ الحقُّ يَضْرُرهُ البَاطِلُ

(فمن لم يعمل بما امره الله فانه يقف مع الشيطان الذي يسوقه الى جهنم)،

وَمَنْ لا يستقم بِهِ الهُدَى يَجُرُّ بِهِ الضَّلاَلُ إِلَى الرَّدَىْ، أَلاَ وَإِنَّكُمْ قَد أُمِرْتُمْ بِالظَّعْنِ (اي الرحيل عن الدنيا)،

وَدُلِلْتُمْ عَلى الزَّادَ كما في قوله تعالى: [وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ]،

وَإِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخافُ عَلَيْكُمُ: اتِّبَاعُ الهَوَى، وَطُولُ الاْمَلِ

(فالهوى بما ترغب به النفس وطول الامل او استبعاد مجيء الموت هما من العوامل الاساسية التي تلهي الانسان عن الاخرة )،

تَزَوَّدُوا فِي الدُّنْيَا مِنَ الدُّنْيَا مَا تَحُوزُونَ بِهِ أَنْفُسَكُمْ غَداً

(اي ما تمنعون به انفسكم من النار بعد الموت فالسعي للأخرة ينبغي ان يكون في الدنيا)،

وَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَبَادِرُوا آجَالَكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ

(اي سابقوا مجيء الاجل بتقديم العمل الصالح فلا يعلم الانسان بساعة موته)،

وابتاعوا مَا يَبْقَى لَكُمْ بِمَا يَزُولُ عَنْكُمْ،

(اي اشتروا ما يبقى لكم من الثواب في الاخرة بما يزول عنكم من شهوات الدنيا ولذائذها)،

وَتَرَحَّلُوا (اي استعدوا للرحيل بإعداد الزاد اللازم للسفر)،

فَقَدْ جُدَّ بِكُم  (اي حثثتم بشدة على الاستعداد للرحيل الى الاخرة)،

وَاسْتَعِدُّوا لِلْمَوْتِ فَقَدْ أَظَلَّكُم (اي قرب منكم حتى كأنّ له ظّلاً قد ألقاه عليكم)،

وَكُونُوا قَوْماً صِيحَ بِهمْ فَانْتَبَهُوا، وَعَلِمُوا أَنَّ الدُّنْيَا لَيْسَتْ لَهُمْ بِدَار فَاسْتَبْدَلُوا،

(اي انتبهوا واستبدلوا السعي لنيل الدنيا بالسعي لتحصيل الاخرة)،

فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَخْلُقْكُمْ عَبَثاً

(فحاشى للخالق العظيم والذي يعد خلق الانسان مظهرا بسيطا على قدرة خلقه ان يكون خلقه لأجل العبث واللعب)،

وَلَمْ يَتْرُكْكُمْ سُدى،

(اي لم يترككم مهملين في الحياة الدنيا لتفعلوا فيها كما تشاؤون من دون حساب في النهاية)،

وَمَا بَيْنَ أَحَدِكُمْ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ إِلاَّ الْمَوْتُ أَنْ يَنْزِلَ بِهِ. وَإِنَّ غَايَةً (اي نهاية الدنيا)

 َنْقُصُهَا اللَّحْظَة (اي وقت نزول الموت)،

وَتَهْدِمُهَا السَّاعَةُ، لَجَدِيرَةٌ بِقِصَرِالْمُدَّةِ، وَإِنَّ غَائِباً (اي الموت)

يَحْدُوهُ الْجَدِيدَانِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، لَحَرِيٌّ بِسُرْعَةِ الاْوْبَةِ (اي العودة مجددا لقبض روح الانسان)،

وَإِنَّ قَادِماً يَقْدُمُ بِالفَوْزِ أَوالشِّقْوَةِ (وهو الموت الذي تنتقل به الروح الى الدار الاخرة)

لَمُسْتَحِقٌّ لاِفْضَلِ الْعُدَّةِ، فَتَزَوَّدُوا فِي الدُّنيَا مِنَ الدُّنْيَا مَا تَحْرُزُونَ بِهِ نُفُوسَكُمْ (اي تحفظون نفوسكم من السقوط في النار) غَداً.

فَاتَّقَىْ عَبْدٌ رَبِّه ُ(اي ليتقي المؤمن ربه بتقديم التوبة والغلبة على الشهوات)،

نَصَحَ نَفْسَهُ، قَدَّمَ تَوْبَتَهُ، غَلَبَ شَهْوَتَهُ، فَإِنَّ أَجَلَهُ مَسْتُورٌ عَنْهُ، وَأَمَلَهُ خَادِعٌ لَهُ، والشَّيْطَانُ مُوَكَّلٌ بِه، يُزَيِّنُ لَهُ الْمَعْصِيَةَ لِيَرْكَبَهَا، وَيُمَنِّيهِ التَّوْبَةَ لِيُسَوِّفَهَ

(اي يؤخره في التعجيل بالتوبة قبل الموت )،

حتّى تَهْجُم مَنِيَّتُهُ عَلَيْه ِ[وهو] أَغْفَلَ مَا يَكُونُ عَنْهَا.

فَيَالَهَا حَسْرَةً عَلَى كُلِّ ذِي غَفْلَة أَنْ يَكُونَ عُمُرُهُ عَلَيْهِ حُجَّةً، وَأَنْ تُؤَدِّيَهُ أَيَّامُهُ إِلَى الشِّقْوَةِ!

نَسْأَلُ اللهَ سُبْحَانَهُ أَنْ يَجْعَلَنَا وَإِيَّاكُمْ مِمِّنْ لاَ تُبْطِرُهُ نَعْمَةٌ

(اي لا تطغيه ولا تسدل على بصره حجاب الغفلة)،

وَلاَ تُقَصِّرُ بِهِ عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِ غَايَةٌ، وَلاَ تَحُلُّ بِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ نَدَامَةٌ وَلاَ كَآبَةٌ.

وللبحث تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com