حقيقة الدنيا   13

 

الدنيا بقدر الضرورة

عن امير المؤمنين ع قال:
[من أقل منها (اي الدنيا) استكثر مما يؤمنه، ومن استكثر منها استكثر مما يوبقه (اي يهلكه)]

تقدم الحديث عن بعض صفات الدنيا التي ينبغي لأهل الايمان ان يعرفوها عنها لمعرفة حقيقتها وكيفية التعامل معها.

  فعن الامام الصادق ع قال:

[ما منزلة الدنيا من نفسي إلا بمنزلة الميتة، إذا اضطررت إليها أكلت منها]
وهو ما يعني الزهد في الدنيا وشهواتها العاجلة، فالمؤمن لا ينظر الى الدنيا كما ينظر اليها اهلها الذين يتسابقون للحصول على ما يستطيعون من شهواتها وزينتها لأنه يعلم بوجود الاخرة من ورائها والتي سيسأل عن تفاصيل عمره الذي قضاه في الحياة الدنيا كما قال الله في كتابه:

(وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ)
(هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ)
(كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ).


فعن امير المؤمنين ع قال:

[إنما ينظر المؤمن إلى الدنيا بعين الاعتبار، ويقتات منها ببطن الاضطرار، ويسمع فيها بأذن المقت والإبغاض]
 اي ان تعامل المؤمن مع الدنيا يتسم بالحذر منها فهو يأكل بمقدار الحاجة والاضطرار ولا يأكل طلبا للشهوة واللذة، ويسمع ما ينفعه فيها ولا يسمع ما يزين له حب الدنيا وزينتها، وكذلك الحال في نظره وتطلعاته الاخرى الى الدنيا.

ثم ضرب امير المؤمنين ع مثلا في اولياء الله واصفيائه فقال:
[هؤلاء أنبياء الله وأصفياؤه، تنزهوا عن الدنيا، وزهدوا فيما زهدهم الله جل ثناؤه فيه منها، وأبغضوا ما أبغض، وصغروا ما صغر].

ثم قال ع في حديث اخر منبّها للزهد فيها:
[فليكن حظك من الدنيا قوام صلبك، وإمساك نفسك، وتزود لمعادك]
اي ان المهم في الدنيا هو التزود للمعاد وما سواها هي وسائل للعيش في الحياة فلا ينبغي ان تستغرق وقت الانسان وعمره بأكثر مما تستحقه.

كما ورد رسول الله (ص) انه قال:
[فروا من فضول الدنيا كما تفرون من الحرام، وهونوا على أنفسكم الدنيا كما تهونون الجيفة، وتوبوا إلى الله من فضول الدنيا وسيئات أعمالكم، تنجوا من شدة العذاب].
بمعنى ان يكون في قلب المؤمن الخشية من الاسراف في متاع الدنيا الحلال كخشيته من الدخول في ارتكاب المحرمات، لان بعدها الحساب في الاخرة، كما ينبغي ان يكون في نفسه الكره لزينة الدنيا ككرهه لأكل الميتة او الجيفة فلا تشتهيها نفسه حتى عند تيسرها له لشدة ما تتركه من اثار دنيوية سيئة من بخل وطمع وجشع اضافة لسيئات الاخرة.

فعن رسول الله (ص) قال:

[حرام على كل قلب يحب الدنيا أن يفارقه الطمع].

وعن الامام الصادق ع قال:

[فمن أحبها أورثته الكبر، ومن استحسنها أورثته الحرص، ومن طلبها أورثته الطمع، ومن مدحها ألبسته الريا، ومن أرادها مكنته من العُجب، ومن اطمأن إليها أركبته الغفلة].

عن الامام الكاظم ع قال:

[من أحب الدنيا ذهب خوف الآخرة من قلبه]

ولذا ورد عن رسول الله (ص) انه قال:

[إن الدنيا مشغلة للقلوب والأبدان، وإن الله تبارك وتعالى سائلنا عما نعمنا في حلاله، فكيف بما نعمنا في حرامه].

وقد لخص امير المؤمنين حياة من احب الدنيا وسعى اليها بقوله:
[المستمتعون بالدنيا تبكي قلوبهم وإن فرحوا، ويشتد مقتهم لأنفسهم وإن اغتبطوا ببعض ما منها رزقوا]

كما اوضح (ع) ما يتركه حب الدنيا والسعي ورائها بقوله:
[ لحب الدنيا صمت الأسماع عن الحكمة، وعميت القلوب عن نور البصيرة]
وهو ما يستدعي من اهل الايمان ان يراجعوا موقفهم من قبول الحكمة ومن حياتهم الشخصية في سعيها واهدافها.


وللحديث تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com