حقيقة الدنيا    12

 

عن امير المؤمنين ع قال:
[إنكم إن رغبتم في الدنيا أفنيتم أعماركم فيما لا تبقون له ولا يبقى لكم ]

    تقدم الحديث عن خصائص الدنيا من انها تترك من يحبها في شغل دائم بها، وهمّ متواصل للحاضر والمستقبل، والغفلة عن الموت بطول الامل، فتكون النتيجة ان العمر يفنى فيما لا ينفع في الاخرة، ولذا تعددت الاحاديث التي تنبه الانسان الى الرضا بما قسمه الله في الدنيا من الرزق والاهتمام فيما يبقى من الوقت بتعمير الدار الاخرة.

فعن رسول الله (ص) قال:
[ما من أحد من الأولين والآخرين إلا وهو يتمنى يوم القيامة أنه لم يعط من الدنيا إلا قوتا]،

وذلك حين يتضح له في الاخرة ما فرط فيه من الوقت الضائع الذي صرفه على تعمير الدنيا، وكان بإمكانه ان يجعل هذا الوقت وسيلة للنجاة من النار او لرفع منزلته ان كان من الفائزين بالجنة، فدرجات الاخرة متفاوتة في منزلتها كدرجات الدنيا ولكن شتان ما بين درجات الاخرة والاولى في منزلتها ومقامها سواء لمن كان مكانه في الجنة ام النار(أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللهِ كَمَن بَاءَ بِسَخَطٍ مِّنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ، هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُون)

ولذلك نبّه الله تعالى عباده الى تفاوت الدرجات في الاخرة فقال:
(الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللهِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ) كما قال سبحانه:
(لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَىٰ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ )

ولذا ورد عن رسول الله (ص) في الحث على القناعة في الدنيا والاهتمام بأمور الاخرة انه قال:
[اتركوا الدنيا لأهلها فإنه من أخذ منها فوق ما يكفيه أخذ من حتفه وهو لا يشعر]

فالزيادة من الدنيا هي زيادة للهموم والالام والاوجاع والاحزان والمنغصات التي تقرب اجل الانسان من حيث يعلم او لا يعلم.

فعن امير المؤمنين ع قال:
[اعلم أن كل شيء تصيبه من الدنيا فوق قوتك فإنما أنت فيه خازن لغيرك]

،حيث يكون العناء والشقاء للعامل في الدنيا من نصيب للأخرين من الورثة او الطغاة الظلمة، بينما يبقى الحساب والكتاب عليه في الاخرة والذي قد يكون فيه ضياع الاخرة السعيدة.

وعن امير المؤمنين ع قال:

[لا تسألوا فيها (اي الدنيا) فوق الكفاف، ولا تطلبوا منها أكثر من البلاغ] اي بلاغ الامن والسلامة في الاخرة،

ولذا قال ع في حديث اخر عنه:
[يسير الدنيا خير من كثيرها، وبلغتها أجدر من هلكتها]
اي ان المفيد في الدنيا هو ما يوصل للأخرة بأمن وسلام اما الزيادة فيها فقد يكون من اسباب الشقاء في الاخرة.

وهو ما عبر عنه الامام الصادق ع بمعنى اخر بقوله:
[إن استطعت أن لا تنال من الدنيا شيئا تسأل عنه غدا فافعل ]
وهو ما يعني الاقتصار على الواجبات والضروريات وتجنب الوقوع في موارد الحرام والشبهة.

وعن الامام الصادق ع قال:
[قال لقمان لابنه: وخذ من الدنيا بلاغا، ولا ترفضها فتكون عيالا على الناس، ولا تدخل فيها دخولا يضر بآخرتك] بما يعني الاعتدال في امر الدنيا والاكتفاء بقليل منها

وهوما ورد في الدعاء عن الامام الصادق ع بقوله:
[ولا تشغلني عن ذكرك بإكثار علي من الدنيا تلهيني عجائب بهجتها، وتفتني زهرات زينتها، ولا بإقلال يضر بعملي كده ويملأ صدري همه، أعطني من ذلك غنى عن شرار خلقك، وبلاغا أنال به رضاك ]

فالإكثار من الدنيا فيه ضرر يلهي الانسان عن اخرته كما ان الاقلال وهجر الدنيا فيه ضرر كذلك وهو ما تناوله الدعاء لنيل خير الدنيا والاخرة.


وللحديث تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com