حقيقة الابتلاء    9

 

تداوم البلاء وشموليته

   تبين في الحلقات السابقة ان البلاء هو من سنن الله في الدنيا ليكون للعاصين عذاب ونقمة وللمؤمنين فضل منه ورحمة لرفع درجاتهم ومكانتهم وللتكفير عن سيئاتهم ولإيقاظهم من غفلة الدنيا، فهو رحمة بكل ما فيه من المعاناة وما ينطوي عليه من الحكمة الربانية التي تقدم الحديث عن بعض تفاصيلها، ولذا تعددت الروايات والآيات التي تبين ان البلاء بوجهيه من الرخاء او الشدة هو زينة المؤمن وباب من ابواب الرحمة الالهية بشموليته ودوامه وتفاوت درجاته.

فعن رسول الله (ص) قال:
[مَا كَرُم عَبدٌ عَلَى اللهِ إِلَّا ازدَادَ عَلَيهِ البَلَاءُ ]


وعن أمير المؤمنين ع قال:
[ إنَّ البَلَاءَ أَسرَعُ إِلَى المُؤمِنِ التّقيِّ مِنَ المَطرِ إِلَى قَرَارِ الأَرضِ ]

   وفي ذلك تنبيه الى ان الابتلاء للمؤمن هو كرامة من الله وهو دائم من دون توقف فلا ينبغي له ان يحسب انه سيكون بعيدا عن دائرة الابتلاء بسبب ايمانه، فالدنيا لم يجعلها الله دارا للجزاء او العقاب فهي اصغر من ان تكون جزاء للمؤمنين او عذابا للكافرين والعاصين ولهذا تبين الاحاديث الماضية ان الابتلاء يحيط بالمؤمن ويـسرع بالنزول اليه كما ينزل المطر الى الارض،


فعن الإمام الباقر ع قال:
[إِذَا أَحَبَّ اللهُ قَوماً أَو أَحَبَّ عَبدَاً صَبَّ عَلَيهِ البَلَاءَ صَبَّاً، فَلَا يَخرُجُ مِنْ غَمٍّ إِلَّا وَقَعَ فِي غَمٍّ ]
أي إن الله إذا أحب عبده وأراد رفع درجته في الآخرة زاد الله في بلائه وامتحانه فالامتحان يعني اختبار العبد في ثباته على الطاعة ومداومته عليها مهما كانت الظروف والأحوال.

عن أمير المؤمنين ع قال:
[ لَتُبَلْبَلُنَّ بَلْبَلةً، وَلَتُغربَلُنَّ غَرْبَلَةً، حَتَّى يَعُودَ أَسفَلُكُمْ أَعلَاكُمْ، وَأَعلَاكُمْ أَسفَلَكُمْ، وَلَيَسبَقَنَّ سَبَّاقُونَ كَانُوا قَصَّـروا، وَليُقَصِّـرَنَّ سَبَّاقُونَ كَانُوا سَبَقُوا].

  وهو ما يعني الامتحان الشامل والدائم للمؤمنين حتى تتضح معادنهم وحقيقة طاعتهم وانصياعهم لما يريده الله منهم، فمنهم من ينجح ويرتقي في منزلته عند الله، ومنهم من يفشل ويتراجع ويحبط عمله، فدوام الامتحان حتى اخر نفس هو من سنن الله لعباده والتي تجلت في قصص انبيائه سيما مع نبيه وخليله ابراهيم ع والذي ابتلاه الله في المراحل الاخيرة من عمره بذبح ابنه بعد نجاحه الباهر في الامتحانات الماضية كلها ليجعل منه مثلا واية في الطاعة والشكر وليكون قدوة للعالمين (فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) فهكذا هي سنة الله لعباده في الدنيا في دوام الامتحان لهم حتى النفس الأخير من الحياة (وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ). فالأجر والمثوبة انما يتناسب مع مقدار الاختبار ودرجته والتي تناولتها الروايات بالذكر والتوضيح

فعن رسول الله (ص) قال:
[إِنَّ عَظِيمَ البَلَاءِ يُكَافَأ بِعَظِيمِ الجَّزَاءِ، فَإِذَا أَحَبَّ اللهُ عَبدَاً ابتَلَاهُ بِعَظِيمِ البَلَاءِ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ عِندَ اللهِ الرِّضَا، وَمَنْ سَخَطَ البَلَاء فَلَهُ عِندَ اللهِ السَّخَط]

وعن أمير المؤمنين ع قال:
[ كُلَّمَا كَانَتِ البَلوَى والاختبار أَعظَم كانَتِ المَثُوبَةُ وَالجَزَاءُ أَجْزَلَ ]
أي أن الجزاء مكافئ لمقدار البلاء فكما يكون الأجر في الدنيا متناسباً مع مقدار الجهد والعمل كماً ونوعاً فكذلك أجر الاخرة.

   فالابتلاء ودوام الابتلاء وتفاوت درجاته حقيقة ينبغي الالتفات اليها وخاصة لاهل الايمان حيث يتجلى في ذلك منزلتهم الاخروية ودرجات استحقاقهم واكرامهم.

فعن أمير المؤمنين ع قال:
[ لا حَاجَةَ للهِ فِيمَنْ لَيسَ للهِ فِي نَفسِهِ وَمَالِهِ نَصِيبٌ ].
أي أن بعض من الامتحان الإلهي للمؤمن هو لأجل ان يظهر فيه مدى حبه الله واستعداده لتقديم نفسه وماله وبدنه وما خوله الله فيه من قدرة مالية أو معنوية ابتغاء لوجهه.

وعن الإمام زينُ العابدين ع قال:
[إنِّي لَأَكرَهُ أَنْ يُعافَى الرَّجُلُ فِي الدُّنيَا وَلَا يُصِيبَهُ شَيءٌ مِنَ المَصَائِبِ]
إذ أن المصائب كاشفة عن مدى إيمان الإنسان ووعيه للامتحان الإلهي.

فعن الإمام الصادق ع قال:
[ قَد كَانَ قَبلَكُم قَومٌ يُقتَلُونَ وَيُحرَقُونَ وَيُنشَرُونَ بِالمَنَاشِيرِ، وَتَضِيقُ عَلَيهِمُ الأَرضُ بِرُحْبِها، فَمَا يَرُدُّهُمْ عَمَّا هُمْ عَلَيهِ شَيءٌ مِمَّا هُمْ فِيهِ ( أي لا يثنيهم عن إيمانهم ما يتعرضون له من العذاب)، مِنْ غَيرِ تِرَةٍ وَتَرُوا مَنْ فَعلَ ذلكَ بهِم وَلَا أَذَىً (أي ان تعرضهم للبلاء لم يكن بسبب انتقام لقتيل أو ثأر سابق مع من آذاهم)، بَل مَا نَقِموا مِنهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤمِنُوا بِاللهِ العَزيز الحَمِيدِ، فَاسْأَلُوا رَبَّكُم دَرَجَاتِهِم ، وَاصبِرُوا عَلَى نَوائِبِ دَهرِكُمْ تُدرِكُوا سَعيَهُمْ» .

   بمعنى أنه لابد من الامتحان الإلهي لمعرفة صدق ايمان المؤمن لتكون له الدرجة والمنزلة عند الله بعد ذلك ( مَّا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَٰكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ).


وللحديث تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com