حقيقة البلاء   8

 

(الارتقاء الذاتي في تحصيل الدرجات العلى)

   اتضح من خلال الحلقات السابقة من البحث ان الابتلاء هو من سنن الله في الارض، وان له دورا مهما في تربية المؤمن، الا ان للبلاء درجات، فالدرجة العليا منه تمثل امتيازا لا يبلغه كل احد الا من كان عالي الايمان والعمل الصالح.

فعن رسول الله (ص) لما سئل عن اشد الناس بلاء في الدنيا قال :
[النبيون ثم الأمثل فالأمثل، ويبتلى المؤمن على قدر ايمانه وحسن اعماله، فمن صح ايمانه وحسن عمله اشتد بلائه، ومن سخف ايمانه وضعف عمله قل بلاؤه] .

   فحصيلة الابتلاء النهائية هي رفع درجة المؤمن بما يفتح الله عليه من البصيرة في الدنيا وحقائقها، وبما يناله من درجات العلى عند الله في الاخرة .

ولذا ورد عن الامام الباقر انه قال: [انما يبتلى المؤمن على قدر دينه]

   اي بمقدار مستواه الديني من الفهم والادراك والتي تكون بمثلها منزلته في الاخرة، فالابتلاء الكبير هو رفعة لأهل الايمان الكبير وليس لغيرهم، فكما لا ينال في الدنيا الدرجات العلى من العلم وما يترتب عليه من الامتيازات العلمية والاجتماعية الا القليل من الناس والذين هم اهل لها، فكذلك لا ينال الدرجات العلى في الاخرة الا من كان اهل لها.

عن الامام الصادق ع انه قال:
[ان عظيم الاجر مع عظيم البلاء، وما احب الله قوما الا ابتلاهم]،

 وهو ما اوضحه  رسول الله (ص) بقوله:
[ان عظيم البلاء يكافأ به عظيم الجزاء، فمن رضي فله عند الله الرضا ومن سخط البلاء فله عند الله السخط].

كما ورد عنه ع في حديث اخر عن اختصاص المؤمنين بالبلاء قال فيه:
[ان لله عز وجل عبادا في الارض من خالص عباده، ما ينزل من السماء تحفة {اي زينة للدنيا} الى الارض الا صرفها عنهم الى غيرهم، ولا بلية الا صرفها اليهم]

   اي ان الجزاء والعطاء من الله الحقيقي هو ليست بتحف الدنيا وزينتها وانما هو بتوفيق الله لعباده الابرار لنيل الدرجات العلى في الاخرة والتي تتحصل من خلال النجاح في الابتلاء الشديد الذي يتعرضون له في الدنيا.

كما ورد عن الامام الباقر ع قال انه قال:
[ان الله عز وجل ليتعاهد المؤمن بالبلاء كما يتعاهد الرجل اهله بالهدية من الغيبة، ويحميه الدنيا كما يحمي الطبيب المريض]

  اي ان البلاء لكونه لطف من الله وفضل لما يتضمنه في الاخرة من الجزاء العظيم فان الله يخص به عباده الاخيار لتنبيههم الى عدم الركون الى الدنيا والاطمئنان اليها وليشوقهم الى الاخرة التي تخلوا من البلاء والشدائد فكما يتعاهد او يتواصل الحبيب مع حبيبه في الهدايا لكي تبقى ذكراه في القلب فكذلك يتعاهد الله عبده بالابتلاء لكي يشتاق الى الاخرة ويعرض عن الدنيا، كما ان من فضل الله عز وجل على العباد بالبلاء ان يحميهم من الانسياق وراء النيا التي تقود الى النكبات كما يحمي الطبيب المريض من اشتداد المرض في بدنه وانتشاره في جسمه حتى وان تطلب الامر القيام ببعض العمليات المؤلمة او الرجات والصعقات الشديدة التي تعيد الحياة للروح .

ولذا ورد عن امير المؤمنين (ع) انه قال :
[ان البلاء للظالم ادب، وللمؤمن امتحان، وللأنبياء درجة].


وللحديث تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com