حقيقة الابتلاء    7


(التذكير بالأخرة)
 

   في تتمة الحديث عن دور الابتلاء واهميته في تحديد محل الانسان ودرجته في الجنة او النار تبين ان للابتلاء فوائد دنيوية اخرى منها:

١- انه يكون سببا لتصحيح المعتقدات الايمانية عند التعرض للمحن والشدائد
٢- ووسيلة لعفو الله او تخفيفا لعقوبته الاخروية عند التعرض للمعاناة والاذى
٣- واسلوبا لتعليم لطاعة الله والتسليم لأمره رغم جهل الانسان بموارد العلة في الحكم
٤- واداة لتزكية للأيمان بإخراج التكبر من النفوس وكثرة الاهتمام بالذات والاغترار بها
٥- ووسيلة لبلوغ المنزلة والرفعة في الدرجة عند الله بسبب الصبر والتحمل للابتلاء والتسليم لقضاء الله
٦- ومن ثمرات البلاء كذلك انه يكون تذكيراً بالآخرة وتنبيها لعدم الركون للدنيا والاطمئنان إليها.

فعن أمير المؤمنين ع قال:
[ إِذَا رَأَيتَ اللهَ سُبحَانَهُ يُتابِعُ علَيكَ البَلَاءَ فقَد أيْقَظَكَ، إِذَا رَأَيتَ اللهَ سُبحَانَهُ يُتابِعُ علَيكَ النِّعَمَ مَعَ المَعاصي فَهُوَ اسْتِدراجٌ لَكَ ].

   والاستدراج هو افساح المجال للمذنب في التمادي في المعاصي وارتكاب المزيد منها بسبب عدم معاجلته بالعقاب الالهي حتى اذا اوغل فيها واغلق على نفسه كل ابواب التوبة والرحمة نزل عليه العقاب الرباني بصورة ماحقة فجعله عبرة للاخرين كما في قوله تعالى (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ).

وهو ما بينه الامام الصادق ع بقوله:
[إِنَّ اللهَ يَبتَلِي عِبَادَهُ عِندَ الأَعمَالِ السَّيِّئةِ بِنَقْصِ الثَّمَرَاتِ، وَحَبسِ البَرَكاتِ، وَإغْلاقِ خَزَائِنِ الخَيرَاتِ، لِيَتوبَ تَائِبٌ، وَيُقْلِعَ مُقْلِعٌ، وَيَتَذكَّرَ مُتَذكِّرٌ، وَيَزْدَجِرَ مُزْدَجِرٌ].  

   فالابتلاء في وجهه البارز والظاهر لا ينقطع عن الانسان {وان كانت الحياة في كل لحظة هي ميدان للاختبار والامتحان} الا ان تعرّض الانسان للشدائد والصعاب هو تنبيه له لإيقاظه من الغفلة.

   فمن رحمة الله بعبده انه لا يتركه غارقا في هواه وانشغالاته الدنيوية التي تبعده عن طاعته بل ينبهه الى عدم دوام الدنيا وبقائها على حال واحد بما يعرض عليه من البلاء كما بينته الآيات والروايات واقلها الاحزان والالام ومنها قوله تعالى في مخاطبة المؤمنون بعد معركة احد:

(إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَىٰ أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ، فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ).
(وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ، مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ، ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ).

وعن الامام الصادق ع انه قال:                                                                                    [لم يؤمن الله المؤمن من هزاهز الدنيا، ولكن امنه من العمى فيها والشقاء في الاخرة].  

   والمراد بهزاهز الدنيا هو الفتن والبلايا الشديدة التي يهتز فيها الناس، والعمى هو عمى القلب عن رؤية الحقائق والانتباه اليها، اذ لابد للمؤمن من التعرض للابتلاءات والتي قد تكون بعضها قاسية لكي يستيقظ قلبه وفكره ولكن من رحمة الله ان جعل لعباده نورا بما اقام لهم من الحجج البينة الظاهرة من الكتب والانبياء والرسل، ومن الحجج الباطنة كالعقل والنفس اللوامة التي تنبههم عند الميل والانحراف عن الحق.

فعن الامام الصادق ع انه قال:
[ان اهل الحق لم يزالوا منذ كانوا في شدة، اما ان ذلك الى مدة قليلة وعافية طويلة]

اي ان شأن المؤمنين في الدنيا هو تعرّضهم للشدائد والمحن الا ان هذه المعاناة هي قصيرة في الحقيقة لقصر الدنيا وسرعة زوالها لتعقبها الراحة الطويلة بعد ذلك في الاخرة.

وهو ما نبه اليه رسول الله (ص) من دوام ابتلاء المؤمن في الدنيا لان الدنيا لم تخلق لمجازاته بل لاختباره حيث يقول في حديث قدسي:
[يقول الله عز وجل : يا دنيا تمرري على عبدي المؤمن بأنواع البلاء وضيقي عليه في معيشته ولا تحلو لي فيركن اليك]

   وقد اوضح الامام الصادق ع في حديثه عن دوام الابتلاء من الله لتنبيه عباده فقال :                           [مَا مِنْ مُؤمِنٍ إِلَّا وَهُوَ يُذَكَّرُ فِي كُلِّ أَربَعِينَ يَومَاً بِبَلَاءٍ، إِمَّا فِي مَالِهِ أَوْ فِي وُلدِهِ أَو فِي نَفسِهِ فَيُؤجَرُ عَلَيهِ، أَوْ هَمٍّ لَا يَدرِي مِنْ أَينَ هُوَ].  

ثم شرح ذلك بقوله:
[ان المؤمن اكرم على الله تعالى من ان يمر عليه اربعون {يوما} لا يمحص فيها ذنوبه ولو بغم لا يدري ما وجهه، والله ان احدكم ليضع الدراهم بين يديه فيزنها فيجدها ناقصة فيغتم بذلك، ثم يزنها فيجدها سواء فيكون ذلك حطا لبعض ذنوبه]

   فالتعرض للهم والغم والاذى الطارئ هو بعض من الابتلاء الذي يذكر بحقيقة الدنيا وكدوراتها وتبدل حالاتها ليشتاق المؤمن الى الاخرة التي ترتفع فيها الاحزان والالام بدوام سعادتها وسرورها (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ، الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ).


وللحديث تتمة

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com