حقيقة الابتلاء    6

 

  تقدم الحديث من ان البلاء اضافة الى دوره الاخروي في تحديد مكان الانسان ودرجته في الاخرة فان له بعض الفوائد الدنيوية او النعم التي عبر عنها الامام العسكري بقوله: (مَا مِنْ بَلِيّةٍ إلَّا وللهِ فِيهَا نِعمَةٌ تُحيطُ بِها)
ومن هذه النعم والفوائد في الابتلاء:

١- انه يكون سببا لتصحيح المعتقدات الايمانية عند التعرض للمحن والشدائد
٢- ووسيلة لعفو الله او تخفيفا لعقوبته الاخروية عند التعرض للمعاناة والاذى
٣- واسلوبا لتعلم لطاعة الله والتسليم لأمره رغم جهل الانسان بموارد العلة في الحكم
٤- واداة لتزكية للأيمان بإخراج التكبر من النفوس وكثرة الاهتمام بالذات والاغترار بها.
واتماما للبحث السابق عما يشتمل عليه الابتلاء من الفوائد الدنيوية المترتبة عليه، فان من البلاء ما يكون
٥- سببا لتحصيل الكرامة والمنزلة عند الله بما يرفع الله فيه عبده من درجات القرب منه وبما يفيض عليه من النعم المعنوية المتناسبة مع عقله وايمانه.

فعن الإمام الصادق ع قال:
[مَا أَثنَى اللهُ تَعَالَى عَلَى عَبدٍ مِنْ عِبَادِهِ، مِنْ لَدُنْ آدمَ إِلَى مُحَمَّدٍ (ص) ، إِلَّا بَعدَ ابتِلَائهِ وَوَفَاءِ حَقِّ العُبُودِيَّةِ فِيهِ ، فَكَرَامَاتُ اللهِ فِي الحَقِيقَةِ نِهَايَاتٌ، بِدَايَاتُهَا البَلَاءُ].

   أي أن بعض الابتلاء للمؤمن هو لأجل اكرام المؤمن ورفع مستواه ودرجته الايمانية وايصاله لمراحل اعلى من الرضا والتسليم المطلق لله بكل ما قدره واراده وقضاه من المقادير لعبده، ليفوز بعدها بفضل الله عليه فيما يفتحه له من عطاء اخروي وما يحبوه به من عطاء دنيوي، ومنها ان يجعله مثلاً للناس وقدوة يقتدى بها ليعظم ثوابه واجره في الاخرة، فإن الله سبحانه لا يثني على عبد ويرفع درجته إلّا بعد أن يختبره ويجتاز الامتحان بنجاح، فكرامات الله ورفعته لعبده هي بعد البلاء والاختبار أو أن الابتلاء هو بداية للرفعة والكرامة عند الله وهو ما يستوجب الشكر لله على فضله بدلا من الشكوى او عدم الرضا .

عن الإمام الباقر ع قال:
[إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِذَا أَحَبَّ عَبدَاً غَتَّهُ بِالبَلَاءِ غَتَّا {اي غمره وغمسه بالبلاء غمسا متتابعا}، وَثَجَّهُ بِالبَلَاءِ ثَجَّا {الثج هو السيلان والمراد بالعبارة هو ان البلاء يكون كبيرا لدرجة ان العبد من شدة المعاناة والاذى وكأنه يذوب من البلاء وتسيل روحه}، فَإِذَا دَعَاهُ {اي اذا دعا العبد ربه بالفرج}، قَالَ: لَبَّيكَ عَبدِي، لَئِنْ عَجَّلْتُ لَكَ مَا سَأَلتَ إِنِّي عَلَى ذَلِكَ لَقَادِرٌ، وَلَكنِ ادَّخَرْتُ لَكَ، فَمَا ادَّخَرتُ لَكَ خَيرٌ لَكَ].

اي ان الله قادر على كشف البلاء اجابة لدعاء عبده وهو ما يكون عند الالحاح بالدعاء ولكن ما ذخره الله لعبده هو اعظم ثوابا وعاقبة حيث تبين بعض الروايات ان العبد حين يجد عظم الثواب المدّخر له في الاخرة يقول: رب ليتك لم تستجب لي دعوة في الدنيا وادخرت لي بدلها ثواب الاخرة.
وفي الحديث عن الامام الصادق ع انه قال:[لا يمضي عليه {اي المؤمن} اربعون ليلة الا عرض له امر يحزنه يذكّر به]
   اي يذكر به عناء الدنيا وبلائها وعدم دوام الحال فيها فيزهد فيها ويشتاق الى الاخرة حيث تنتهي الهموم والغموم وتدوم السعادة والسرور فيها فيشتاق اليها والى العمل الصالح الذي يقرب لها.

وعن الامام الباقر ع قال: [انما يبتلى المؤمن في الدنيا على قدر دينه]، وفي رواية بحسب دينه،

وهو ما عبر عنه الامام الكاظم ع انه قال:
[ مثل المؤمن مثل كفتي الميزان كلما زيد في ايمانه زيد في بلائه ليلقى الله عز وجل ولا خطيئة له]

   بمعنى ان البلاء والذي لابد منه في الدنيا انما يكون متناسبا مع درجة الايمان والقدرة على تحمل الانسان له وحاشا لله ان يكلف العبد بأكثر من قدرته فالبلاء نعمة وفضل من الله في رفع درجة المؤمن عنده وفيما يفيض عليه من الالتفات الى حقيقة الدنيا والاهتمام بالأخرة التي خلق الانسان من اجلها.


وللحديث تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com