حقيقة الابتلاء   5

 

   تقدم الحديث من ان البلاء اضافة الى دوره الاخروي في تحديد موقع الانسان ودرجته في الاخرة فان له بعض الفوائد الدنيوية منها:

- انه يكون سببا لتصحيح المعتقدات الايمانية عند التعرض للمحن والشدائد

- وسببا لعفو الله او تخفيفا لعقوبته الاخروية عند التعرض للمعاناة والاذى

ولمواصلة للبحث السابق عما يشتمل عليه الابتلاء من الفوائد الدنيوية المترتبة عليه، فان الابتلاء قد يكون من ثمراته :
- تعويد المؤمن على الطاعة والاستجابة لأمر الله مع الجهل بموارد العلّة

  كما هو الحال في العبادات والفروض الواجبة، فالصلاة مثلاً يفترض على المؤمن ان يؤديها بكيفية خاصة وفي مواقيت محددة الا انه قد يجهل المعرفة بأسرار أوقاتها، وعدد ركعاتها، فلماذا اختيرت هذه الاوقات دون غيرها؟ ولماذا جُعل للصبح ركعتان وللمغرب ثلاث وللظهر أربع؟، وكذلك توقيت الصيام ومدّته والمحرمات التي فيه، ومثله الحديث عن أعمال الحجّ ووقته وعلله، وهكذا بقية الأحكام الشرعية والفروض الالهية في الموضوعات المختلفة التي قد يأمر الانسان بها رغم جهله بأسرارها، وهو ما أشار اليه أمير المؤمنين ع بقوله:
[ وَلَكِنَّ اللهَ سُبحَانَهُ يَبتَلِي خَلقَهُ بِبَعضِ مَا يَجهَلُونَ أَصلَهُ، تَميِيزَا للاختِبَارِ لَـهُمْ، وَنَفيَاً لِلإِستِكبَارِ عَنهُمْ، وَإِبعَاداً لِلخُيَلَاءِ مِنهُمْ].

   أي أن الاختبار مع الجهل بموارد الحكمة في الاختبار الرباني يظهر حقيقة ايمان العبد لربه ومدى طاعته له وتسليمه لأمره حتى لو كان خلاف رغبته وهوما اشارت اليه بعض آيات القران كما في قوله تعالى :
(وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ)
(وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ)
(وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ).

- ومن فوائد الابتلاء كذلك تزكية الايمان واخراج التكبّر والغرور من نفس المؤمن

    كالإحساس بالتميّز والفوقية وتضخّم الأنا وما يسبّب ذلك من التعالي على الناس عند الإمكانية والقدرة المادية والسلطوية واحتقار الضعفاء والمستضعفين.

فعن أمير المؤمنين ع قال:
[وَلَكِنَّ اللهَ يَخْتبِرُ عِبادَهُ بِأَنوَاعِ الشَّدَائِدِ، وَيَتَعبَّدُهُمْ بِأَنواعِ المَجَاهِدِ، وَيَبتَلِيهِمْ بِضُـرُوبِ المَكَارِهِ، إِخرَاجَاً لِلتَّكَبُّرِ مِنْ قُلُوبِهِمْ، وَإِسْكَاناً للتَّذَلُّلِ فِي نُفُوسِهِمْ، وَلِيَجْعلَ ذَلِكَ أَبوَابَاً فُتُحَاً إِلَى فَضلِهِ، وَأَسبَاباً ذُلُلاً لِعَفوِهِ].

   أي أن أقل ما يكون من نعم الله في الاختبار هو تربية المؤمن بإخراج التكبر والغرور والاعتداد الزائف بالنفس والاهتمام الزائد بالذات فقط لتكون النفوس مهيأة بعد البلاء للإفاضات الربانية فتدرك معانيها ومقاصدها كما تسوى الأرض وتحرث لتكون صالحة للزراعة وإنتاج الثمرة الطيبة عند نزول المطر.

 
وللحديث تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com