حقيقة الابتلاء    4
 

  تبين مما تقدم ان الابتلاء او الاختبار هو من سنن الله في خلقه الذي يشمل الجميع بلا استثناء، وانه يضم حالات الضراء والاذى كما يضم حالات السراء والرفاهية فكلاهما وجهان للاختبار، ليترتب على ذلك موقع الانسان في الاخرة ودرجته فيها، سواء اكان في الارتقاء والرفعة في المنزلة او في التسافل والانحطاط في العذاب والمهانة.

    الا ان هذا الامتحان له اثار دنيوية كذلك تشتمل على نعم مخفية على الانسان واخرى ظاهرة، في كلا نوعي الابتلاء في الضراء او السراء كما سيتوضح في فيما سيأتي من البحث.

فعن الإمام الصادق ع انه فيما أوحى الله تعالى إلى موسى انه قال:
[ مَا خَلَقتُ خَلْقاً أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ عَبدِيَ المُؤمِنِ، فَإِنِّي إِنَّمَا أَبتَلِيهِ لِـمَا هُوَ خَيرٌ لَهُ، وَأُعَافِيهِ لِـمَا هُوَ خَيرٌ لَهُ، وَأَزْوِي عَنهُ لِـمَا هُوَ خَيرٌ لَهُ، وَأَنَا أَعلَمُ بِمَا يَصلُحُ عَلَيهِ عَبدِي، فَلْيَصبِر عَلَى بَلَائِي، وَلْيَشكُر نَعمائِي، وَلْيَرضَ بِقَضَائِي، أَكتُبهُ فِي الصِّدِّيقِينَ عِندي].  

   اي ان تعريض الانسان الى الحالات المختلفة من البلاء بوجهيه السلبي والايجابي في المنظور الظاهري للإنسان انما هو يستبطن في حقيقته مصلحة الانسان والتي تعبر عنه الرواية بالخير او حسن الاختيار الالهي ولكنه ينعكس على المؤمن خاصة لايمانه بالله وحسن قضائه واختياره .


- فمن الابتلاء ما يكون سبباً لتصحيح الإيمان والمعتقدات الدينية.

عن الإمام الصّادق ع قال:
[البَلَاءُ زَيْنُ المُؤمِنِ، وَكَرَامَةٌ لِـمَن عَقَلَ، لِأَنَّ فِي مُبَاشَرتِهِ وَالصَّبرِ عَلَيهِ وَالثَّباتِ عِندَهُ تَصحِيحَ نِسبةِ الإيمانِ].

    أي أن المؤمن في حالات تعرضه للبلاء والصبر عليه، انما يزداد أيماناً وتعلقاً بالله تعالى وتوجّهاً لحكمته التي تكمن في بلائه، فان الانسان بطبعه محدود النظر والفكر في الاهداف الالهية لجهله في المقاصد الربانية وعواقب الامور التي قضاها الله وقدرها لعبده، ولذا ورد عن أمير المؤمنين ع تنبيهه للناس الى التأمل في اهداف الابتلاء بقوله:

[لَا تَفرَحْ بِالغَنَاءِ وَالرَّخَاءِ، وَلَا تَغتمَّ بِالفَقرِ وَالبَلَاءِ، فَإِنَّ الذَّهَبَ يُجَرَّبُ بِالنَّارِ، وَالمؤمِنُ يُجَرَّبُ بِالبَلَاءِ]

   فجميع تلك الحالات المتفاوتة او المتناقضة احيانا كالفقر والغنى او المرض والعافية او الضعف والقدرة وأمثال ذلك انما هي فترات مؤقتة وأعراض زائلة مع زوال الدنيا، وما كانت إلا لأجل اختبار الإنسان ليتضح نوع جوهره ومعدنه وحقيقة إيمانه وأعماله التي يكتب على أساسها عاقبته في الاخرة، وهو ما يعزز ويثبت المؤمن في طريق الصبر والاستقامة والتحمل للتبعات والمحن.  

- ومن البلاء ما يكون كفارة للذنوب ومغفرة وعفوا من الله كما في قواه تعالى:

﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيدِيكُمْ وَيَعفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾

عن رسول الله (ص) قال:
[لَا يَجْنِي عَلَى المَرءِ إِلَّا يَدُهُ ].

   أي إنّ كثيراً من الابتلاءات الدنيوية إنما هي نتيجة لأعمال الإنسان وتصرفاته، فبعضها ينعكس على شؤونه وأحواله الخارجية، وبعضها ينعكس على أوضاعه الداخلية حيث يبتليه الله في بدنه أو في نفسه أو أهله من الأمراض والأوجاع والأحزان رحمة ولطفا ليدفع عنه عذاب الاخرة.

عن أمير المؤمنين ع قال:

[مَا عَاقَبَ اللهُ عَبداً مُؤمِنًاً فِي هَذِهِ الدُّنيَا إِلَّا كَانَ أَجْوَدَ وَأَمْجَدَ مِنْ أَنْ يَعودَ فِي عِقَابِهِ يَومَ القِيامَةِ]

   أي أن من رحمة الله ولطفه بعبده أن يجعل عقابه في الدنيا والّا فأن عقاب الآخرة أشد وأعظم ولا يقارن بعقاب الدنيا.
وعن أمير المؤمنين ع انه قال:
[الحَمدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ تَمْحِيصَ ذُنُوبِ شِيعَتِنِا فِي الدُّنيَا بِمِحنَتِهِمْ، لِتَسْلَمَ بِهَا طَاعَاتُهُمْ وَيَسْتَحِقُّوا عَلَيهَا ثَوابَهَا]

   أي إنّ بعض البلاء هو مكمّل للأجر والثواب وفضل من الله على العباد لتعويض الواجبات والنقص في العبادات والممارسات الدينية فلا يؤاخذون على التفريط او الافراط فيها جهلا او غفلة.


- ومن الابتلاء ما يكون لأجل تعويد المؤمن الطاعة والاستجابة لأمر الله مع الجهل بموارد العلّة،

  كما هو الحال في العبادات كالصلاة مثلاً من حيث عدم المعرفة بأسرار أوقاتها، وعدد ركعاتها، فلماذا جُعل للصبح ركعتان وللمغرب ثلاث وللظهر أربع، وكذلك توقيت الصيام ومدّته والمحرمات التي فيه ومثلها الحديث عن أعمال الحجّ وعلله، وبقية الأحكام الشرعية في الموضوعات المختلفة وهو ما اشار اليه أمير المؤمنين ع بقوله:
[ وَلَكِنَّ اللهَ سُبحَانَهُ يَبتَلِي خَلقَهُ بِبَعضِ مَا يَجهَلُونَ أَصلَهُ، تَميِيزَا للاختِبَارِ لَـهُمْ، وَنَفيَاً لِلإِستِكبَارِ عَنهُمْ، وَإِبعَاداً لِلخُيَلَاءِ مِنهُمْ].
(أي أن الاختبار مع الجهل بموارد الحكمة في الاختبار الرباني يظهر حقيقة ايمان العبد لربه ومدى طاعته له وتسليمه لأمره حتى لو كان خلاف رغبته وإرادته)


- ومن الابتلاء ما يكون لأجل تزكية المؤمن

فعن أمير المؤمنين ع قال:
[وَلَكِنَّ اللهَ يَخْتبِرُ عِبادَهُ بِأَنوَاعِ الشَّدَائِدِ، وَيَتَعبَّدُهُمْ بِأَنواعِ المَجَاهِدِ، وَيَبتَلِيهِمْ بِضُـرُوبِ المَكَارِهِ، إِخرَاجَاً لِلتَّكَبُّرِ مِنْ قُلُوبِهِمْ، وَإِسْكَاناً للتَّذَلُّلِ فِي نُفُوسِهِمْ، وَلِيَجْعلَ ذَلِكَ أَبوَابَاً فُتُحَاً إِلَى فَضلِهِ، وَأَسبَاباً ذُلُلاً لِعَفوِهِ].

    أي أن أقل ما يكون من نعم الله في الاختبار هو تربية المؤمن بإخراج التكبر والغرور والاعتداد الزائف بالنفس والاهتمام بالذات فقط لتكون النفوس مهيأة للإفاضات الربانية فتدرك معانيها ومقاصدها كما تسوى الأرض وتحرث لتكون صالحة للزراعة وإنتاج الثمرة الطيبة عند نزول المطر.

 
وللحديث تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com