حقيقة الابتلاء   3
 

   تقدم الحديث في ان الابتلاء يكون في الخير والشـر، أي في موارد الرفاهية والسـرور وتواتر النعم كالصحة والعافية والغنى والثروة والسلطان والعز وما شابه، كما يكون كذلك في موارد المعاناة كالمرض والفقر والألم والأذى النفـسي والمادي، قال تعالى: ﴿وَنَبلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالخَيْرِ فِتْنَةً﴾

فعن الإمام الصادق ع قال:
[ما مِنْ قَبضٍ وَلَا بَسطٍ إِلَّا وَللهِ فِيهِ مَشِيَّةٌ وَقَضاءٌ وَابتِلَاءٌ].

   اي انه لا يكون من قضاء وقدر على الانسان خاصة وعلى جميع مخلوقات الله عامة من تغيرات دنيوية او كونية، الا بأمر الله وإرادته ليكون فيه الابتلاء للإنسان في الدنيا والذي جعله الله من سننه لتحديد موقع الانسان ومكانه في الاخرة، كما بين ذلك في كتابه بقوله : ( تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ)

   والمراد بالبسط في حديث الامام هي حالة السعة والرفاهية واقبال الدنيا على الانسان ، والقبض هي حالة المعاناة والألم والأذى التي تحيط بالإنسان، فكلاهما وجهان لعملة واحدة هي الابتلاء والاختبار، وبمعنى آخر يكون الشيء ونقيضه كالفقر والغنى، والمرض والعافية، والذلة والعزة، والسجن والسلطنة، والضعف والقدرة وأمثال ذلك من الحالات التي تعرض على الانسان في فترات من عمره وحياته انما تكون جميعا موارد للامتحان والاختبار التي تظهر فيها حقيقة طاعة الإنسان لربّه وتسليمه لقضائه وقدره ليترتّب على ذلك الجزاء في يوم القيامة ويتحدّد فيها المصير النهائي للإنسان في آخرته.

   والآيات التي تتحدث عن الاختبار والفتنة في كتاب الله كثيرة سواء التي تتعلق بقصص الانبياء او في عموم موارد الاختبار التي تتعلق بشؤون الحياة والتي تظهر للناس حقيقة ما يخفيه الإنسان في مكنون ذاته، فقد جعل الله كل شيء في الحياة هو موضع للابتلاء والاختبار، وكلّ ما يحيط بالإنسان من علاقات فردية وأسرية واجتماعية انما هي موضع للابتلاء والاختبار، ليترتب على أساسها الحكم والنتيجة الآخروية كما بين ذلك بقوله تعالى:
﴿وَلِيَبتَلِيَ اللهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ 

وقد ضرب الله مثلاً لهذه الموارد من الاختبار في كتابه الكريم ومن ذلك:


* الاختبار في موارد الجهاد والتضحية :

﴿أَمْ حَسِبتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَـمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلا المُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾
﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ، وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا)
﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)


* الاختبار في موارد الصبر والتحمل للمحن والشدائد

﴿وَلَنَبلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ المُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾
﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا)


* الاختبار في موارد العناء والأذى

﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبلُوَ بَعضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾


* الاختبار في موارد زينة الدنيا والتمتع بالحياة

﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرضِ زِينَةً لَـهَا لِنَبلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحسَنُ عَمَلاً﴾
﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) 


* الاختبار في موارد الحياة بأسرها

﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ)
﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ وَالحَيَاةَ لِيَبلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحسَنُ عَمَلاً﴾ 

   بالإضافة إلى موارد أخرى كثيرة يطول ذكرها، الا انه يبدو كذلك من الآيات والروايات ان الابتلاء هو نعمة لتربية المؤمن ليتكامل إيمانه وترتفع درجته في الآخرة، فعن الإمام العسكري ع قال:
[مَا مِنْ بَلِيّةٍ إلَّا وللهِ فِيهَا نِعمَةٌ تُحيطُ بِها].
اي إن الابتلاء يترافق مع الأجر والمثوبة ورفع المكانة عند الله للفائز بعد الاختبار
كما سياتي توضيحه


وللحديث تتمة

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com