حقيقة الابتلاء   2

قال الله تعالى في كتابه الكريم: (وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ)

  تقدم الحديث من ان الابتلاء شامل للإنسان في جميع الاحوال والاوقات لأجل اقامة الحجة على الانسان فالله سبحانه بكل شيء عليم، يعلم ابتداء بعاقبة الانسان ومصيره قبل الاختبار الابتلاء، وهو مفهوم الحديث (السعيد سعيد في بطن امه والشقي شقي في بطن امه) حيث لا يفرض الله على عبده الشقاء او السعادة، انما هو الانسان الذي يختار بنفسه لنفسه الشقاء او السعادة بعمله واختياره الذاتي، وهو ما اوضحه امير المؤمنين ع بقوله:

[الا ان الله قد كشف الخلق كشفة، لا انه جهل ما اخفوه من مصون اسرارهم ومكنون ضمائرهم، ولكن ليبلوهم احسن عملا، فيكون الثواب جزاء والعقاب بواء (اي ما يبوئون به من تبعات الذنوب والمعاصي)]،

   اي ان الله سبحانه قد كشف الخلق لأنفسهم وللأخرين بتجلّي حقيقة اعمالهم وسعيهم الدنيوي واختيارهم الذاتي لعاقبتهم ومصيرهم في الاخرة، فالله الخالق لهم والمدبر لدوام حياتهم ووجودهم المؤقت في الدنيا لا يخفى عليه شيء من اعمالهم في كل آن وحين ولكنه جعل الابتلاء للعباد في الدنيا لتظهر الاعمال التي يستحقون بها نتيجتهم في الاخرة، فتكون الجنان بنعيمها وخلودها وسعادتها الدائمة لمن سبقت من الصالحات في الدنيا، ولتكون جهنم بكل عذابها وشقائها الدائم لمن سبقت منه الاعمال الطالحة والسيئة في الدنيا، فكل الظروف والاحوال الصعبة والشاقة على الانسان، وما يعادلها من ظروف واحوال ميسّرة سعيدة، انما هي اوقات محدودة من العمر الدنيوي لاختبار الانسان في مدى التزامه بأحكام الله في امره ونهيه.

    فلا ينبغي للمؤمن ان يغفل عن حقيقة الابتلاء فيترك نفسه للهوى وللانفعالات ان تتحكم به في السراء او الضراء بل يبادر الى ذكر ربه في كل الاحوال سائلا له ان يهديه ويوفقه لما يريده منه في هذه الاوقات والاحوال ويبعد عنه وساوس ومكائد الشيطان فان جميع امور الدنيا خاضعة للامتحان الالهي، والذي بموجبه يتحدد مكان الانسان ودرجته في الاخرة ( وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ).

    وهو ما يدعو الانسان لملاحظة نوع اعماله وحاله التي هو عليها فإن للإنسان على نفسه بصيرة ويعرف حقيقتها وان استترت على الناس (بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ، وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ) فاليوم يمكن للإنسان ان يصلح نفسه ولكنه في الغد يعجز عن ذلك عند مواجهة الجزاء الاخروي.


وللحديث تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com