حقيقة الابتلاء   11

حفظ التوازن الايماني في الابتلاء والعافية

عن أمير المؤمنين ع في وصف المتقين قال:
[ نَزلَتْ أَنفُسُهُمْ مِنهُمْ فِي البَلَاءِ كَمَا نَزَلَتْ فِي الرَّخَاءِ ]

    تقدم الحديث عن دوام البلاء وشموليته للمؤمن حتى النفس الاخير من عمره اذ ان ذلك مما يكشف عن نوعية الايمان ومدى انصياع الانسان وتسليمه لقضاء الله وقدره وهو ما تعرض له الانبياء السابقين والذي كان سببا في اجتباءهم ورفعتهم عنده وهو ما عبر عنه الحديث النبوي الشريف عن توالي الابتلاء وتداومه على المؤمن خاصة،

فعن رسول الله (ص) انه قال:
[إِنَّ اللهَ لَيَتعَهّدُ عَبدَهُ المُؤمِنَ بِأَنواعِ البَلَاءِ كَمَا يَتَعهَّدُ أَهلَ البَيتِ سَيِّدُهُم بِطُرَفِ الطَّعَامِ]
أي كما أن اهل بيت يسعون في تقديم افضل الطعام لرب البيت حبا ومودة واكراما له فكذلك يتعهد الله عباده المؤمنين بأنواع البلاء ليرفع درجتهم عنده ومقامهم لديه.

ولذا عندما سُئل الإمام الصّادق ع من احد اصحابه حول ابتلاءِ المؤمنِ بالجُذامِ والبَرَصِ وَأشْباهِ ذلك من الامراض الشديدة تصورا منه من ان اكرام الله للمؤمن ينبغي ان لا يشمله بالبلاء، قال له الامام : [ وَهَلْ كُتِبَ البَلَاءُ إِلَّا عَلَى المُؤمِنِ ]
بمعنى أنه لابد من الامتحان الإلهي للمؤمن خاصة لتكون له الدرجة والمنزلة عند الله في الاخرة اما الذين نسوا الله فانه يكلهم الى انفسهم كما في قوله تعالى: (نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ)

وعن الإمام زينُ العابدين ع قال:
[إنِّي لَأَكرَهُ أَنْ يُعافَى الرَّجُلُ فِي الدُّنيَا وَلَا يُصِيبَهُ شَيءٌ مِنَ المَصَائِبِ]
إذ أن المصائب كاشفة عن مدى إيمان الإنسان ووعيه للامتحان الإلهي فهي عادة ما تكون باختيار لله لنوع البلاء ومقداره ووقته ومكانه لتكشف عن حقيقة الايمان مهما اتسم البلاء بالشدة والقسوة فالجزاء تابع ومتناسب مع مقدار البلاء (إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) 

فعن الإمام الصادق ع قال:
[ قَد كَانَ قَبلَكُم قَومٌ يُقتَلُونَ وَيُحرَقُونَ وَيُنشَرُونَ بِالمَنَاشِيرِ، وَتَضِيقُ عَلَيهِمُ الأَرضُ بِرُحْبِها، فَمَا يَرُدُّهُمْ عَمَّا هُمْ عَلَيهِ شَيءٌ مِمَّا هُمْ فِيهِ {أي لا يثنيهم عن إيمانهم ما يتعرضون له من العذاب}، مِنْ غَيرِ تِرَةٍ وَتَرُوا مَنْ فَعلَ ذلكَ بهِم وَلَا أَذَىً {أي ان تعرضهم للبلاء لم يكن بسبب انتقام لقتيل أو ثأر سابق مع من آذاهم وانما كان تمحيصا لايمانه واختبارا من الله لهم}، بَل مَا نَقِموا مِنهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤمِنُوا بِاللهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ، فَاسْأَلُوا رَبَّكُم دَرَجَاتِهِم، وَاصبِرُوا عَلَى نَوائِبِ دَهرِكُمْ تُدرِكُوا سَعيَهُمْ ].

  فالبلاء نعمة وفضل من الله عندما يوفق المؤمن للنجاح فيه ويدرك في الاخرة ماناله بصبره ووعيه.
عن الامام الصادق ع في حديث قدسي قال:                                                                         [ لولا ان يجد عبدي المؤمن في قلبه لعصبت راس الكافر بعصابة حديد لا يصدع راسه ابدا]
بمعنى لولا ان يكون في قلب المؤمن شيء من الفتنة والحزن على الدنيا عندما يبتليه الله بالحرمان منها والانعام على الكافرين بما يتمنون لاعطى الكافر السلامة والعافية في الدنيا حتى لا يمرض فيها ابدا

   وقيل ان المراد بتعصيب الراس بالحديد هو كناية عن وضع تاج السلطنة على راس الكافر اشارة الى قوله سبحانه (وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ، وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ، وَزُخْرُفًا، وَإِن كُلُّ ذَٰلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ )

    اي لولا ان يجتمع الناس على الكفر فيكونوا كلهم كفارا عندما يرون الدنيا تقبل على الكافر ويحرم منها المؤمن لجعلنا لمن يكفر بالرحمن بيوتا سقفها من فضة، والسقف اذا كان من الفضة فالحيطان كذلك تكون من الفضة، والمعارج التي عليها يظهرون او السلالم التي بها يصعدون للأعلى تكون ايضا من الفضة وهو ما يعني ان ابواب البيوت والسرر التي عليها يتكئون والزخرف او النقوش التي تزين بها الدار تكون كلها من الفضة والذهب، وبالتالي يعطى الكافر غاية ما يتمناه من الدنيا وزينتها لقلتها وحقارتها عند الله، وفي ذلك ستكون الفتنة كبير على المؤمنين بحرمانهم مما حازه الكفار في الدنيا وتعرضهم للأذى والبلاء، وهو ما يدل على ان الدنيا بكل ما فيها ليس لها قيمة عند الله وانما المنزلة والمكانة عند الله لمن سعى لتحصيل رضوان الله وهو ما يستدعي من المؤمن ان يكون مستوعبا لمعاني الابتلاء ومقاصده شاكرا لله في كل الاحوال والاوقات والحالات فالله سبحانه اعرف وارحم به من نفسه .

ونسالكم الدعاء مع نهاية البحث

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com