حقيقة الابتلاء   10

 

(العون الالهي في بلوغ الرفعة)

   تقدم الحديث عن نعمة الابتلاء رغم العناء والاذى الذي فيه، حيث يكون احيانا سبباً لفوز المؤمن بالدرجات العلى في الآخرة والتي لا يستطيع بلوغها الا بتعرضه للبلاء والصبر عليه كما ضرب الله مثلا في ذلك بالابتلاء الذي تعرض له بعض الانبياء والاولياء كنبي الله ايوب ويحى وغيرهم (عليهم السلام جميعا)، الا انه قد يفتقد العبد القدرة الذاتية للوصول لهذه المرتبة العالية من الصبر والتحمل حيث تغلب عليه حالة عدم الاستقرار والثبات على الطاعة فيتأرجح بين الذنوب والمعاصي او الاقدام والانكسار رغم ايمانه ويقينه بالله، فيمد الله له من فضله ورحمته يد العون والمساعدة بالتوفيق لبعض الاعمال الصالحة كأداء الحج او القيام بالخيرات والمبرات والصالحات التي ترفع درجته عنده لتغلب كفة الصلاح والاستقامة عليه، الا ان البعض الاخر يبقى على ما هو عليه من التأرجح الايماني او التذبذب بين السيئات والحسنات كما في قوله تعالى: (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) فيمن الله عليهم برحمته كذلك فيدخلهم في دائرة الابتلاء ليكون كفارة لسيئاتهم او زيادة في حسناتهم ورفعا لدرجاتهم.

فعن رسول اللهِ (ص) قال:
[إنَّ الرَّجُلَ لَيَكُونُ لَهُ الدَّرَجةُ عِندَ اللهِ لَا يَبلُغُها بِعَمَلِهِ، حَتَّى يُبتَلَى بِبَلَاءٍ فِي جِسمِهِ فيَبلُغَهَا بِذَلِكَ].
أي أن عمل المؤمن قد يقصر عن الوصول به إلى الدرجة التي يريدها الله له فينعم عليه ببلاء في جسمه أو معاناة في نفسه لتوصله لتلك الدرجة المعدّة له.

فعن أمير المؤمنين ع انه قال:
[الحَمدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ تَمْحِيصَ ذُنُوبِ شِيعَتِنِا فِي الدُّنيَا بِمِحنَتِهِمْ، لِتَسْلَمَ بِهَا طَاعَاتُهُمْ وَيَسْتَحِقُّوا عَلَيهَا ثَوابَهَا]
أي إنّ بعض البلاء هو مكمّل للأجر وفضل من الله لتعويض النقص في العبادات او يكون سببا للعفو عن الذنوب والسيئات والعمال التي يؤاخذ الله عليها العبد يوم القيامة.

فعن الامام الصادق ع قال:                                                                                           [ ان الله ليتعاهد المؤمن بالبلاء اما بمرض في جسده، او بمصيبة في اهل او مال، او مصيبة من مصائب الدنيا ليأجره عليها].
حيث تكون الاوجاع والاحزان من كفارات الذنوب كما ورد

في الحديث النبوي الشريف الذي ورد عن رسول الله ص بقوله:
[ساعات الوجع يذهبن ساعات الخطايا] 

وفي الحديث عن الامام الصادق ع انه قال:
[اما انه ليس من عرق يضرب، ولا نكبة، ولا صداع، ولا مرض الا بذنب، وذلك قوله عز وجل في كتابه: (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ) ثم قال وما يعفو الله اكثر مما يؤاخذ به].

وفي الحديث عنه كذلك عندما شكى اليه احد اصحابه ما يلقى من الاوجاع وكان مسقاما (اي كثير المرض) فقال له ع :[يا عبد الله: لو يعلم المؤمن ماله من جزاء في المصائب لتمنى ان يقرض بالمقاريض].

وعن الامام الباقر ع قال:
[ان الله تبارك وتعالى اذا كان من امره ان يكرم عبدا وله عنده ذنب ابتلاه بالسقم، فان لم يفعل ابتلاه بالحاجة، فان لم يفعل شدد عليه عند الموت، واذا كان من امره ان يهين عبدا وله عنده حسنة اصح بدنه، فان لم يفعل وسع عليه في معيشته، فان لم يفعل هون عليه الموت].

وفي الحديث عن الامام الصادق ع قال:
[اذا اراد الله عز وجل بعبد خيرا فاذنب ذنبا تبعه بنقمة ويذكّره بالاستغفار، واذا اراد بعبد شرا فاذنب ذنبا تبعه بنعمة لينسيه الاستغفار ويتمادى به، وهو قول الله عز وجل سنستدرجهم من حيث لا يعلمون]

وفي حديث اخر عن الصادق ع انه قال:                                                                          [لا تزال الهموم والغموم بالمؤمن حتى لا تدع له ذنبا].

كما قال في حديث اخر:                                                                                           [ان العبد المؤمن ليهتم في الدنيا (اي يصيبه الهم) حتى يخرج منها ولا ذنب له].

بل حتى اذا عجز المؤمن عن الارتقاء الى ما يريد ان يصل اليه من الطاعة مع وجود النية والعمل الصالح فان رحمة الله واحسانه وفضله يشمله ببلية قبل موته او عند ساعة موته ترفع من درجته ليوصله الى الدرجة التي كان يريدها. 


فعن رسول الله (ص) قال:
[إنَّ العَبدَ لَتكُونُ لَهُ المَنزِلَةُ مِنَ الجَنَّةِ فَلَا يَبلُغُهَا بِشَيءٍ مِنَ البَلَاءِ حَتَّى يُدرِكَهُ المَوتُ وَلَمْ يَبلُغْ تِلكَ الدَّرَجةَ، فَيُشَدَّدَ عَلَيهِ عِندَ المَوتْ فَيَبلُغُهَا].
وهو رحمة أخرى من العزيز الرحيم حيث يكون ألم الموت ومعاناته سبباً لحط سيئاته وكفارة لذنوبه ورفعة في درجته.

وللحديث خاتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com